المسح على الضمادات الطبية، ضوابطه وأحكامه

خلعتُ ضرسي ووضع الجراح شاشاً طبياً داخل الفم وعلى الخد من الخارج يمنع وصول الماء لموضع الجرح تماماً، فكيف أتوضأ للصلاة مع ضرورة غسل الوجه؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمرحبًا بكم أخي العزيز، عافاك الله وشفاك، وكتب لك الأجر في صبرك على الألم. إن الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر ورفع الحرج عن المكلفين، وخاصة في حالات المرض.

 

الوضوء شرط من شروط صحة الصلاة، وغسل الوجه ركن أصيل فيه ثبت بالقرآن والسنة وإجماع الأمة، ومع ذلك، فإن العبادات في الإسلام تدور مع الاستطاعة وجودًا وعدمًا، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقول النبي ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" متفق عليه.

 

وحيث إن الجرَّاح قد وضع شاشًا طبيًّا يمنع وصول الماء إلى موضع الجرح سواء داخل الفم في موضع خلع الضرس، أو ما قد يتأثر به ظاهر الوجه المحاذي له عند الغسل، فإن الحكم ينتقل هنا من العزيمة وهي الغسل الكامل إلى الرخص الطبية والشرعية المقررة لأهل الأعذار، حفظاً للنفس والبدن من زيادة الألم أو تأخر الشفاء.

 

اختصارًا: يجب عليك عند الوضوء لصلاة الفجر غسل الأجزاء السليمة من وجهك والتي لا يصل الماء منها إلى موضع الجرح أو الشاش. أما الموضع المتضرر أو المحمي بالشاش، فإن كان في ظاهر الوجه فيكفيك المسح عليه بالبلل إن لم يضرك، فإن كان يضرك المسح أو كان الشاش داخليًّا في الفم ويمنعك من المضمضة أو غسل جانب من الفم، فإنك تترك غسل ذلك الموضع وتتوضأ وتصلي، ولا يضرك عدم وصول الماء إليه. وفي حال عجزت عن غسل معظم الوجه لخوف الضرر الشديد، فإنه يشرع لك التيمم بدلاً من غسل الوجه أو بدلاً من الوضوء كاملاً عند بعض الفقهاء، وصيانتك للجرح بطلب الطبيب واجبة شرعًا وصلاتك صحيحة ولا إعادة عليك.

 

آراء العلماء قديمًا وحديثًا:

 

لقد ناقش الفقهاء قديمًا وحديثًا مسألة العضو المصاب الذي يضره الماء أو المستور بالجبائر واللفائف والشاش الطبي في حكمها، وتتلخص آراؤهم فيما يلي:

 

1. المذهب الحنفي:

 

يرى الحنفية أنه إذا كان غسل العضو أو الموضع المصاب يسبب ضررًا أو يؤخر الشفاء، سقط غسله وانتقل المكلف إلى المسح عليه إن كان مستورًا بلفافة كالشاش واللاصق.

 

جاء في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي 1/ 46: "إذا كان لا يقدر على غسل العضو لمرض أو علة... مسح عليه، فإن كان يضره المسح أيضًا تركه".

 

2. المذهب المالكي:

 

يفرق المالكية بين الغسل والمسح بناءً على مساحة الموضع المصاب من العضو. فإذا كان الشاش يغطي جزءًا من الوجه، غسل الصحيح ومسح على الشاش.

 

جاء في "المدونة" للإمام مالك 1/ 128: "قال مالك في الرجل تكون به القرحة في موضع الطهور أو الكسر، قال: يغسل ما حول ذلك، ويمسح على الخرقة إن كان عليها خرقة، وإن لم يكن عليها خرقة مسح على القرحة إن قدر، فإن لم يقدر على المسح تركها".

 

3. المذهب الشافعي:

 

الشافعية يدققون في مسألة الجمع بين الغسل والتيمم. فإذا كان هناك موضع في الوجه لا يمكن غسله ولا المسح عليه مباشرة، وجب غسل الجزء الصحيح، ثم التيمم عن الجزء المصاب الذي لم يصله الماء.

 

جاء في "المجموع شرح المهذب" للنووي 2/ 324: "إذا كان على عضوه جراحة يخاف من غسلها... لزمه غسل الصحيح وتطهير العليل بما يمكنه من غسل أو مسح، فإن لم يمكنه وجب التيمم". أما بالنسبة للمضمضة: فالأصح عند الشافعية أنها سنة في الوضوء وليست فرضًا، فلا يضر تركها نهائيًّا بسبب خلع الضرس.

 

4. المذهب الحنبلي:

 

يرى الحنابلة أن العضو إذا كان عليه لفافة أو شاش طبي لحاجة، فإنه يُغسل الصحيح ويُمسح على الشاش، والمسح هنا يقوم مقام الغسل تماماً ولا يوجب التيمم معه على الراجح عندهم.

 

جاء في "المغني" لابن قدامة 1/ 172: "إذا كان الكسر أو الجرح في أعضاء الطهارة... وكان يضره الغسل دون المسح مسحه بالماء، وإن كان يضره المسح أيضًا أو كان عليه جبيرة أو لزوق يخاف بـنزعه الضرر، مسح على الجبيرة... ويغسل الباقي".

 

5. فتاوى اللجنة الدائمة:

 

الفقهاء المعاصرون على أن الشاش الطبي واللاصق العلاجي يأخذ حكم "الجبيرة".

 

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 5/ 243: "إذا كان بالجسم جرح لا يمكن غسله ولا مسحه؛ لأن ذلك يؤثر عليه أو يزيد في المرض، فإن الواجب هو التيمم، أما إن كان عليه لزقة أو شبهها فيكفي المسح عليها مع غسل بقية الأعضاء السليمة".

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

تتحكم في هذه النازلة الطبية عدة قواعد فقهية كبرى ترفع الحرج عنك، منها:

 

• قاعدة: "المشقة تجلب التيسير"

 

أصلها: قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، لما كان غسل موضع الجرح بالماء يسبب مشقة معتبرة ألمًا أو نزيفًا أو فساد عمل الجراح، جلب ذلك التيسير بإسقاط الغسل والانتقال للمسح أو العفو.

 

• قاعدة: "الضرر يُزال"

 

أصلها قول النبي ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وابن ماجه. فيُمنع استخدام الماء في الموضع الذي جزم الطبيب بأن الماء يضره؛ لأن حفظ البدن وصيانته مقدم شرعًا.

 

• قاعدة: "إذا ضاق الأمر اتسع"

 

عند حدوث العذر الطبي الضيق وجود جرح وشاش يمنع الماء، تتسع الرخص الشرعية للمكلف ليؤدي عبادته بلا حرج.

 

• قاعدة: "الميسور لا يسقط بالمعسور"

 

أصلها حديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، فعجزك عن غسل موضع الضرس أو جزء من الوجه المحيط به المعسور، لا يسقط عنك وجوب غسل بقية الوجه وأعضاء الوضوء الأخرى السليمة الميسور. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

 

روابط ذات صلة:

التيمم على سرير المستشفى بلا غبار هل يكفي؟

التيمم عند العجز عن استعمال الماء من شدة البرد

فرائض الوضوء وسننه.. ترتيب الأولويات

6 فوائد إيمانية وصحية للوضوء