هل التكاسل في العبادات نتيجة إجهاد العمل يعد نفاقًا؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">بلغت من العمر 55 عاما، وظروف المعيشة لا زالت تجبرني على القيام بأعمال كثيرة للوفاء بمتطلبات الحياة المستقرة لي ولأسرتي الكبيرة. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">أواجه مشكلة نفسية مؤرقة، أنشط مكرَهًا للوفاء بمتطلبات الأعمال المتعددة، ثم ينهار جسمي فجأة، فإذا كان وقت صلاة أو عبادة أو سُنة لا أجد قوة بدنية ولا نفسية، فأصلي قاعدًا أحيانًا، وأجمع صلاتين معا أحيانًا، أكسل عن الرواتب والسنن وقيام الليل، يتردد على قلبي وذهني كثيرًا أنني منافق، وأحيانًا أقول إنني محمَّل بأعباء أكثر مما يطيقها من هو في مثل سني، وهكذا حديث نَفْس طويل لا ينتهي. <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">فأفيدونا أفادكم الله، كيف الخروج من هذه الدوامة</span>؟

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك في عمرك وصحتك، وأن يمدَّك بعون من عنده، وأن يرزقك القوة والعافية في بدنك ونفسك، ويجعل ما تبذله من جهد في سبيل أسرتك في ميزان حسناتك، وأن يشرح صدرك، ويُذهب عنك همَّك ويسكِّن روعك، وبعد...

 

فبداية أخي الغالي، إن ما تمر به ليس علامة نفاق -حاشا لله- بل هو تعبير عن إجهاد بدني تحت وطأة مسؤوليات الحياة، تحملها بروح الأب المسؤول والزوج الصالح في زمن كثرت فيه متطلبات المعيشة والضغوط.

 

وأول خطوة للخروج من هذه الدوامة هي تصحيح المفاهيم؛ فديننا دين واقعي يراعي طبيعة البشر وظروفهم.

 

السعي على العيال جهاد

 

أنت لا تخرج إلى العمل لاهيًا أو عابثًا؛ بل تخرج مُكرهًا ومتحملًا المشاق لتوفير لقمة العيش الحلال لأسرتك. وهذا السعي في ميزان الشريعة الإسلامية هو عبادة عظمى وجهاد في سبيل الله.

 

مَرَّ على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحاب رسول الله ﷺ من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله: لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن كان خرج يسعى على أولاده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله» [رواه الطبراني].

 

وقال النبي ﷺ: «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ» [رواه البخاري]. فكل دقيقة تقضيها في عملك هي في الحقيقة صلاة مستمرة وصدقة جارية تُكتب في صحيفتك.

 

فقه الرخص ورحمة التشريع

 

أما ما تجده من إرهاق بدني يضطرك للصلاة قاعدًا أو الجمع أحيانًا، فهذا ما شرعت الشريعة الرُّخص من أجله. فالله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، ويقول جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

 

فإذا بلغت من التعب حدًّا لا تقوى فيه على القيام، وكان القيام يشقُّ عليك مشقة لا تحتملها، فصليت قاعدًا، فصلاتك صحيحة بإذن الله وفضله. قال ﷺ لعمران بن حصين وكان مريضًا: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [رواه البخاري].

 

أما بالنسبة لجمع الصلوات، فذهب جماعة من العلماء إلى جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وصلاتي المغرب والعشاء للحاجة والمشقة الشديدة عارضًا، بشرط ألا يتخذ الإنسان ذلك عادة مستمرة طوال حياته، مستدلين بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر. وقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: «أراد ألا يحرج أمته» [رواه مسلم].

 

أما بالنسبة للسنن والنوافل، فأبشر أخي الكريم، فما كنت تفعله من نوافل ورواتب وقيام ليل في وقت شبابك وقوتك، ثم تركته الآن لعذر التعب الشديد والتقدم في السن، فإن أجره يكتب لك كاملًا غير منقوص؛ قال ﷺ: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» [رواه البخاري]، والعلماء ألحقوا الكبير والعاجز بالمريض.

 

وهم النفاق

 

أخي الكريم، إن خوفك من النفاق وشعورك بالذنب هو دليل إيمانك، فالمنافق لا يبالي بصلاته أداها قائمًا أو قاعدًا، ولا يهتم بقلبه وقع في التقصير أم لا. يقول الحسن البصري عن النفاق: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق».

 

وأذكِّرك بقصة الصحابي الجليل حنظلة بن الربيع حين مشى في الطريق يبكي ويقول: «نافق حنظلة!»، ولما سأله أبو بكر الصديق عن السبب، قال: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالجنة والنار كأن رأي عين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الزوجات والأولاد والضيعات (الأعمال والمعايش) فنسينا كثيرًا! فلما ذهبا إلى النبي ﷺ وذكرا له ذلك، قال لحنظلة: «والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذِّكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» (كررها ثلاثًا) [رواه مسلم].

 

أخي الفاضل، إن حديث النفس الطويل الذي تعاني منه هو وسوسة من الشيطان ليقودك إلى اليأس والإحباط، فيجعلك تترك العبادة بالكلية بحجة أنك منافق أو مقصر. فاقطع هذا الحبل، واعلم أنك في ابتلاء وبذل وتضحية.

 

اقتراحات عملية

 

إن الخروج من هذه الدوامة يتطلب خطة عملية توازن فيها بين متطلبات جسدك وحق ربك، دون جلد للذات، وتتلخص في الآتي:

 

1- تجديد النية

 

قبل أن تخرج من بيتك صباحًا، استحضر هذه النية: «اللهم إني أخرج لأسعى على عيالي لأعفهم عن الحرام، فاللهم اجعل سعيي هذا عبادة وتقبلها مني». هنا يتحول شقاؤك وتعبك البدني إلى رصيد ضخم من الحسنات، فترتاح نفسك لأنك لم تعد ترى العمل عائقًا عن العبادة، بل تراه هو العبادة نفسها، بشرط الالتزام بالخطوة التالية.

 

2- الالتزام بالفرائض

 

ركِّز على إقامة الصلوات الخمس المفروضة في وقتها. فإذا توفَّرت لك الطاقة للصلاة قائمًا فافعل، وإذا انهار جسدك فصلِّ قاعدًا بطمأنينة وخشوع، وخذ من النوافل والسنن ما استطعت جسديًّا ووقتيًّا، ولا تلُم نفسك على تقصيرك فيها (النوافل والسنن)؛ حتى تشعر بالعافية والقدرة بإذن الله، فالله لا يحاسبك على ما عجزت عنه أو شق عليك، وضاق عنه وسعك.

 

3- اتباع «الوصفة النبوية»

 

عندما شكت فاطمة -رضي الله عنها- ما تلقى في يدها من الرحى (التعب البدني من العمل والخدمة)، جاءت تسأل النبي ﷺ خادمًا، فأرشدها وزوجها عليًّا رضي الله عنه إلى أمر عجيب؛ قال ﷺ: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما، أو أخذتما مضاجعكما، فكبِّرا ثلاثًا وثلاثين، وسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم» [رواه البخاري]. فواظب على هذا الذكر العظيم قبل النوم بيقين، وستجد قوة ونشاطًا في بدنك في اليوم التالي يعينك على العمل والعبادة بإذن الله.

 

4- الذِّكر باللسان والقلب

 

إذا كان الجسد متعبًا عن القيام والركوع، فإن اللسان والقلب لا يتعبان عن الذِّكر. فاستثمر أوقات فراغك وانتظارك وتنقلك بالذِّكر المستمر من التسبيح والتهليل والتحميد والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ، والاستماع للقرآن الكريم عبر الهاتف مثلًا. فهذه العبادات لا تتطلب مجهودًا عضليًّا؛ لكنها تشحن الروح بالطاقة الإيجابية وتمحو عنك الشعور بالتقصير، فضلًا عن أجرها العظيم.

 

5- إعطاء الجسد حقه

 

تذكَّر يا أخي دائمًا التوجيه النبوي الحكيم لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- حين أجهد نفسه بالعبادة: «فإن لجسدك عليك حقًّا» [صحيح البخاري]. حاول تنظيم وقتك قدر المستطاع، وخذ قسطًا من الراحة أو قيلولة قصيرة في منتصف اليوم إن أمكن، لتستعيد قواك لصلاة العصر والمغرب، ولا تحمِّل نفسك فوق طاقتها.

 

ولا يفوتني هنا أخي الكريم أن أنصحك بضرورة متابعة حالتك الصحية مع الأطباء المختصين، وإجراء الفحوصات والتحاليل الطبية الدورية؛ فربما يكون هذا الانهيار البدني المفاجئ ناتجًا عن سبب عضوي خفي، مثل نقص بعض الفيتامينات والمعادن الأساسية، أو اضطراب في وظائف الجسم بسبب الإجهاد المزمن، ومعالجة هذه الأسباب الطبية ستعينك بإذن الله على استرداد نشاطك، واعلم أن الأخذ بأسباب الشفاء والتداوي هو من تمام التوكل على الله.

 

وختامًا أخي الفاضل، اعلم أن الله -سبحانه- شكور، يقبل القليل ويعفو عن الكثير، ويرى تعبك وضعفك، ويرحمك أكثر من رحمتك بنفسك. فاطرد الأفكار السلبية وافرح بفضل الله عليك أن جعلك عائلًا لأسرتك، ومصليًا لفرائضك ولو من قعود.

 

فاللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، أسألك أن تمنَّ على عبدك هذا بالقوة في بدنه، والراحة في نفسه، والطمأنينة في قلبه. اللهم صبَّ عليه الرزق صبًّا، واجعل عمله بركة عليه وعلى أهل بيته، ولا تجعله كدًّا ولا نكدًا. اللهم خذ بيده، وتقبل منه واعفُ عنه، واكتب له أجر الصالحين المنيبين. اللهم أذهب عنه وساوس الشيطان وهواجس النفس، واملأ قلبه بحبك، واجمع له بين خيري الدنيا والآخرة، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

روابط ذات صلة:

مشغول عن النوافل بتحصيل الرزق.. بشريات وحلول

في خريف العمر.. كيف نقاوم الكسل عن النوافل وقيام الليل؟

كيف أجعل والديَّ يحافظان على أداء السنن وأذكار الصلاة؟