إذا وكلت شخصاً بالرمي عني لعجز، هل يجوز للوكيل أن يرمي عن نفسه وعني في نفس الوقفة؟ وكيف يكون الترتيب؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بكم أخي العزيز، وإن شريعة الإسلام مبنية على اليسر والرحمة، ومن
مظاهر هذا التيسير مشروعية "النيابة في الحج" عند العجز والضرورة. ومن
المناسك التي تدخلها النيابة عند المشقة والمرض "رمي الجمار"،
حيث يجوز للعاجز والشيخ الكبير والمريض أن يوكل غيره للرمي عنه دفعًا للحرج
والمشقة. وقد ضبط الفقهاء طريقة رمي الوكيل عن نفسه وعن موكله لمنع اللبس والتداخل
في العبادات، ولضمان صحة النسك عن الطرفين.
اختصارًا: يجوز
للوكيل النائب أن يرمي عن نفسه وعن موكله العاجز في موقف واحد نفس الوقفة ونفس
المجيء إلى حوض الجمرة، ولا يشترط أن يذهب ليرمي عن نفسه ثم يعود في رحلة جديدة
ليرمي عن موكله. أما من حيث الترتيب؛ فالواجب على الوكيل أن يبدأ فيرمي عن نفسه
أولاً بسبع حصيات، ثم يرمي عن موكله بسبع حصيات أخرى لنفس الجمرة، وهكذا ينتقل إلى
الجمرة التالية فيفعل نفس الشيء، مستندًا إلى القاعدة الشرعية أن العبادة تبدأ
بالنفس أولاً.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
• قاعدة البداءة بالنفس: وهي مستندة لقول
النبي ﷺ: «ابدأ بنفسك»،
فلا يجوز للنائب أن يقدم نسك غيره على نسك نفسه في العبادة الواحدة.
•
قاعدة المشقة تجلب التيسير: تسقط الشريعة اشتراط تكرار الرحلة أو
الذهاب والإياب لكل رمية تفاديًا للمشقة والزحام الشديد عند الجمرات.
آراء
العلماء:
• مذهب الشافعية والحنابلة: ذهب الشافعية
والحنابلة، وهو المفتى به، إلى أن الوكيل يرمي عن نفسه أولاً الجمرة الصغرى، ثم
يرمي عن موكله نفس الجمرة الصغرى، ثم ينتقل للوسطى فيفعل كذلك، ثم الكبرى. ولا
يشترط تكرار المشي والحضور؛ لأن في ذلك مشقة عظيمة تُنافي مقصود الرخصة.
"إذا كان مع الرجل رمي عن نفسه وعن غيره، فالواجب أن يرمي عن
نفسه أولاً جميع جمرة العقبة، ثم يرمي عن مستنيبه... وفي أيام التشريق يرمي الصغرى
عن نفسه ثم عن مستنيبه، ثم الوسطى عن نفسه ثم عن مستنيبه، ثم الكبرى عن نفسه ثم عن
مستنيبه، في موقف واحد ولا يشترط لكل رمي إتيان مستأنف" (المجموع، ج 8، ص 244).
"وإن رمى عن نفسه وعن مستنيبه في موضع واحد جاز؛ فيرمي عن
نفسه الجمرة الأولى، ثم يرمي عن مستنيبه، ثم يرمي الثانية عن نفسه، ثم عن مستنيبه،
ثم الثالثة كذلك... لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه اشتراط تكرار المجيء، ولأن في تكليفه العود والمجيء لكل رمية مشقة
شديدة، والنيابة إنما جازت لدفع المشقة" (المغني، ج 3، ص 421).
• مذهب الحنفية والمالكية: يرى الحنفية
والمالكية في المعتمد أن الأفضل والأصل أن يرمي الوكيل عن نفسه الجمار الثلاث
كاملة، ثم يرجع من أولها فيرمي عن موكله. ولكنهم رخصوا في زمان الزحام الشديد
والمشقة أن يجمع بينهما في موقف واحد كما هو مذهب الشافعية والحنابلة.
"لو
رمى عن نفسه وعن غيره، فالأفضل أن يتم رمي نفسه ثم يرمي عن غيره، فإن رمى لكل جمرة
عن نفسه ثم عن غيره جاز وعُدَّ مقطوعاً للجهل أو المشقة، بشرط تقديم
نفسه" (حاشية ابن عابدين، ج 2، ص 531).
الشيخ
عبد العزيز بن باز رحمه الله: أفتى الشيخ ابن باز بجواز الجمع في
موقف واحد تيسيرًا على الحجاج، وشدد على وجوب الترتيب بتقديم النفس حصاة حصاة أو
سبعًا سبعًا.
"يجوز
للنائب أن يرمي عن نفسه وعن موكله في موقف واحد، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات
عن نفسه، ثم بسبع حصيات عن موكله، ثم ينتقل إلى الوسطى فيرمي عن نفسه ثم عن موكله،
ثم جمرة العقبة كذلك... ولا يلزمه أن يكمل الجمار الثلاث عن نفسه ثم يرجع من أولها
عن موكله؛ لأن في ذلك مشقة كبيرة، والشريعة مبنية على التيسير" (مجموع
فتاوى ابن باز، المجلد 17، ص 342). والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
وقت رمي الجمرات بين التضييق والسعة
ما الحكمة من شعيرة رمي الجمرات؟ ولماذا تأخذ حيِّزًا كبيرًا من الحج؟