لم أكمل طواف الإفاضة العام الماضي فهل يجوز لي قضاؤه هذا العام؟

في العام الماضي أديت الحج، لكنني أثناء طواف الإفاضة تعبت كثيراً، فاكتفيت بأربعة أشواط فقط، ثم غادرت ولم أكمل بقية الطواف. وهذا العام الحمد لله حضرت للحج مرة أخرى، وقلت في نفسي: أكمل الأشواط الثلاثة المتبقية من العام الماضي حتى يكون الحج قد تمّ كاملاً. فهل بهذا أكون قد أتممت حجتي السابقة؟"

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي العزيز، وتقبل الله منك، والحمد لله الذي بلغك بيته الحرام مجددًا. هذا السؤال في غاية الأهمية، والخطأ فيه يقع من بعض الحجاج بسبب التعب وظنهم أن الطواف يمكن تجزئته كصلوات القضاء.

 

اختصارًا: نية إكمال الأشواط الثلاثة المتبقية من العام الماضي لا تصح ولا تُجزئ لإتمام الحجة السابقة بسبب الفاصل الزمني الطويل سنة كاملة. عند جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة يجب عليك أداء طواف إفاضة كامل 7 أشواط لأن الموالاة والتتابع انقطعا. أما عند الحنفية فحجتك السابقة صحيحة بأربعة أشواط لأنها تمثل ركن الطواف، ولكن يلزمك دم ذبح شاة في مكة لتركك الأشواط الثلاثة الواجبة وتأخيرها عن وقتها.

 

آراء العلماء في الواقعة محل السؤال:

 

اختلف الفقهاء فيمن ترك ثلاثة أشواط من طواف الإفاضة وسافر إلى بلده ثم عاد بعد سنة، بناءً على اختلافهم في شرط "الموالاة" (التتابع بين الأشواط)، وفي مقدار الركن من الطواف، وذلك على قولين رئيسيين:

 

القول الأول: بطلان الأشواط السابقة ووجوب إعادة الطواف كاملاً (7 أشواط)

 

وهو مذهب المالكية والحنابلة، والأصح عند الشافعية. وحجتهم أن الموالاة بين الأشواط شرط لصحة الطواف، والتفريق الطويل (سنة كاملة) يقطع الموالاة يقينًا، فلا يصح البناء على الأشواط القديمة.

 

• جاء في كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي: "والموالاة شرط في الطواف بين أشواطه وبين الطواف وركعتيه... فإن فرّق تفريقًا كثيرًا يبطل ما مضى منه كالصلاة، واستأنفه".

 

• وجاء في الشرح الكبير للدردير: "والموالاة بين أشواط الطواف واجبة شرط في صحته، فلو فرّق بين الأشواط تفريقًا كثيرًا بطل البناء وابتدأه من أوله".

 

• الموالاة عندهم سنة في الأصح، ولكن مغادرة مكة لعام كامل تقطع الطواف عند محققيهم، فالأحوط والواجب إعادته كاملاً. جاء في المجموع للنووي: "لو فرّق تفريقًا كثيرًا... فالأصح لا يبطل ويبني، والثاني يبطل ويستأنف". والعمل في الفتوى عندهم على الاستئناف لمن سافر وابتعد لئلا يظل متلبسًا بالنسك دون إتمام.

 

القول الثاني: صحة الطواف بأربعة أشواط مع وجوب الدم (الفدية) عن النقص

 

وهو مذهب الحنفية. وحجتهم أن ركن الطواف هو أداء أكثره (أربعة أشواط)، فمن طاف أربعة أشواط فقد أدى ركن الحج وصح طوافه، والثلاثة الباقية واجبة وليست ركنًا، وجبران الواجب يكون بالفدية إذا فات وقته.

 

• جاء في رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين): "ولو طاف لعمرة أو إفاضة أكثره (وهو أربعة أشواط) وقعد، جاز وتجب الشاة للباقي".

 

المخرج الشرعي الصحيح حتى لا تستكمل الحجة السابقة:

 

بما أنك لم تكمل طواف الإفاضة في العام الماضي، فإنك شرعًا لم تتحلل التحلل الأكبر (الثاني) من حجة العام الماضي؛ لأن طواف الإفاضة لا يسقط أبدًا بمرور السنين. ولكي تبرأ ذمتك بيقين وتصح حجتك السابقة والحالية، عليك باتباع هذا المخرج الفقهي الأحوط:

 

• أولاً: طواف كامل بسبعة أشواط: اذهب إلى الحرم وانوِ أداء طواف إفاضة كامل (7 أشواط) بنية إتمام حجة العام الماضي، ولا تكتفي بثلاثة أشواط فقط. هذا الطواف يصحح لك حجتك السابقة خروجًا من خلاف الجمهور الذين أبطلوا الأشواط الأربعة القديمة.

 

• ثانيًا: السعي بين الصفا والمروة: إذا كنت في العام الماضي قد سعيت بعد الطواف الناقص، فإن سعيك السابق لم يقع بعد طواف صحيح كامل. بناءً على ذلك، يجب عليك بعد أن تطوف الطواف الكامل الآن، أن تسعى سعيًّا كاملاً (7 أشواط) لحجة العام الماضي.

 

• ثالثًا: ذبح شاة (دم) في مكة: يلزمك ذبح شاة تذبح في مكة وتوزع على فقرائها؛ وهذا لسببين: الأول خروجًا من خلاف الحنفية الذين يوجبون الدم لترك الأشواط الثلاثة وتأخيرها، والسبب الثاني هو الاحتياط لبقية محظورات الإحرام (كالنساء) التي قد تكون وقعت فيها خلال السنة الماضية ظنًّا منك أنك تحللت تمامًا.

 

• رابعًا: بالنسبة لحجتك الحالية: بعد أن تنتهي من طواف وسعي الحجة السابقة وتذبح دمها، يمكنك الاستمرار في أداء مناسك حجك لهذا العام الجديد بشكل طبيعي (طواف، وسعي، ووقوف) لتصح لك حجتك الجديدة صيرورة كاملة بيقين إن شاء الله.

 

وأخيرًا، إذا كان الأمر يشق عليك لكبر سن أو تعب من المناسك الحالية، فإن استطعت أن تطوف محمولاً، أو على كرسي أو في وقت يكون بعيدًا عن وقت ذروة الحرم فافعل وتقبل الله طاعتكم. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

انتقض وضوئي أثناء الطواف ولم أسعَ بسبب الإغماء.. فما الحكم؟

داهمني الحيض قبل طواف عمرة التمتع.. فكيف أُتِمُّ المناسك؟

حكم من طاف على غير طهارة وهل يبطل حجه؟

الحل العملي لمن شك في عدد أشواط الطوف