أثناء طواف الإفاضة يوم النحر، شككت في الشوط الخامس هل هو الخامس أم الرابع، وبسبب الزحام الشديد دُفعت بقوة وشعرت بخروج ريح (انتقاض الوضوء)، لكنني استحييت وخفت أن أضيع عن حملتي فاستمررت وأتممت الطواف على هذه الحال. وبعد الصلاة خلف المقام، أصابني هبوط حاد وإغماء، ونقلتني الإسعاف إلى المستشفى ولم أتمكن من أداء سعي الحج حتى الآن وقد ركبت الحافلة متوجهاً إلى منى. فهل طوافي صحيح مع الشك وفقدان الطهارة؟ وماذا يفعل من فاته السعي وتجاوز يوم النحر دون أدائه؟"
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً بك أخي الكريم، وشفاك الله وعافاك. ما مررت به من وعكة صحية هو
عذر شرعي مقدر في باب العبادات. هذا الموقف يشتمل على نازلتين فقهيتين: الأولى
تتعلق بأثر الشك وانتقاض الوضوء على صحة الطواف، والثانية تتعلق بالحكم المترتب
على تأخير السعي وفقدان الوعي.
إليك
تفصيل أقوال العلماء ومذاهبهم في هذه المسألة:
اختصارًا:
1. طواف
الإفاضة وركعتاه: غير صحيحين عند جمهور العلماء من المالكية والشافعية
والحنابلة؛ لأن الطهارة عندهم شرط صحة للطواف، ويجب عليك إعادة الطواف وركعتيه.
بينما يرى الحنفية أن طوافك صحيح مع الإثم وتلزمك فدية (شاة) لأن
الطهارة عندهم واجب وليست شرطًا. أما الشك فيُبنى فيه على اليقين وهو الأقل (أربعة
أشواط)، هذا إذا تيقنت من نقض الوضوء فإن شككت فقط فالأمر على أصله وهو الطهارة
ولا شيء عليك بخصوص الطواف.
2. سعي
الحج: لم يفت وقته بتجاوز يوم النحر باتفاق المذاهب الأربعة، ويمتد وقته
دون فدية، ولكن عند الجمهور لا يصح أداؤه إلا بعد طواف صحيح، مما يعني أنك لا تزال
محصرًا ببعض محظورات الإحرام (التحلل الأكبر) حتى تعيد الطواف وتسعى، فمن كان في
مكة أو قريبا منهاـ فإنه يرجع فيطوف ويسعى ويتحلل، ومن كان بعيدًا غير قادر على
العودة فله مخرج على مذهب الأحناف، فيرى الحنفية أن الطهارة في طواف الإفاضة واجبة
وليست شرطًا، وأن السعي واجب وليس ركنًا، والواجبات تجبر بالدم أو الفداء.
أقوال
العلماء من المذاهب الأربعة في الواقعتين محل السؤال:
أولاً:
انتقاض الوضوء أثناء الطواف والشك في عدد الأشواط:
• مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة:
O الطهارة شرط لصحة الطواف، فمن أحدث في طوافه بطل ما مضى من أشواطه عند
بعضهم، وعند بعضهم الآخر يبطل الطواف إذا طال الفصل، وبما أنك أكملت الأشواط كلها
بلا وضوء فالطواف باطل ويجب إعادته من أوله بعد الوضوء، والبناء يكون على اليقين
(الأقل) في الأشواط السليمة.
• مذهب الحنفية:
O الحكم: الطهارة من الحدث الأصغر في طواف
الإفاضة واجبة وليست شرطًا للصحة. وبناءً عليه: طوافك صحيح ومجزئ، ولكنك آثم
لتعمدك الصلاة والطواف بلا طهارة، ويلزمك ذبح شاة (دم) في مكة كفارةً لجبر هذا
النقص. أما ركعتا الطواف خلف المقام فباطلتان وتجب إعادتهما؛ لأن الصلاة تشترط لها
الطهارة إجماعًا. وفي الشك يبنون على الأقل إلا إذا كان الشك عارضًا فيتحرى.
ثانيًا:
ترك السعي بسبب الإغماء وتأخيره عن يوم النحر:
• مذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة):
O الحكم: السعي بين الصفا والمروة ركن من
أركان الحج لا يتم الحج إلا به. وأجمعوا على أن السعي ليس له وقت محدد يفوت
بفواته، فيجوز تأخيره عن يوم النحر وعن أيام التشريق طوال شهر ذي الحجة بل وطوال
العمر.
O ولكن يشترط الجمهور لصحة السعي أن يقع بعد طواف صحيح. وبما أن طوافك
باطل عندهم، فلو سعيت الآن فسعيك غير صحيح.
O الواجب عليك عندهم: يجب عليك بعد الشفاء
العودة إلى الحرم، وتتوضأ، وتعيد طواف الإفاضة كاملاً (سبعة أشواط مع البناء على
اليقين)، ثم تصلي الركعتين، ثم تسعى للحج، وحينها فقط تتحلل التحلل الأكبر (الذي
يبيح النساء).
• مذهب الحنفية:
O الحكم: السعي بين الصفا والمروة واجب
وليس ركنًا. ووقت السعي عندهم موسع جدًّا يجوز تأخيره عن يوم النحر ولا يلزم
بتأخيره شيء. وبما أن طواف الإفاضة عندك صحيح عندهم (مع لزوم الدم)، فإن سعيك يصح
أداؤه مباشرة دون إعادة الطواف، علمًا بأن السعي نفسه لا تشترط له الطهارة عندهم
ولا عند الجمهور، فيجوز لك الذهاب والسعي مباشرة على حالتك بعد الإفاقة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
داهمني الحيض قبل طواف عمرة التمتع.. فكيف أُتِمُّ المناسك؟