<p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">بسبب مرضي، سأؤدي الحج على كرسي متحرك. أشعر بضيق شديد لأنني لست كبقية الحجاج أطوف على قدمي وأسعى بجهدي. أشعر أنني عبء على رفاقي في الرحلة. <o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">فكيف أستشعر لذة العبودية وأنا عاجز جسديًا؟ <o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وهل شعوري بهذا النقص والعبء يقلل من قدري عند الله؟ <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">كيف أحوِّل عجزي إلى باب للقرب منه سبحانه؟</span>
مرحبًا
بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يتمَّ عليك
نعمته، ويشفيك، ويعافيك، ويتقبل منك حجك، ويجعل سعيك مشكورًا وذنبك مغفورًا، وأن
يرزقك في هذه الرحلة المباركة من اللذة والسكينة ما تفيض به روحك طمأنينة ويقينًا،
وبعد...
الحج
رحلة القلوب قبل الأبدان
إن
الحج في جوهره قبل أن يكون رحلة بدنية، هو رحلة الروح إلى خالقها، وانتقال القلب
من عالم الأسباب إلى مسبب الأسباب وخالقها. فالله -سبحانه وتعالى- لم يفرض المناسك
ليعذِّب الأبدان ويشقيها، بل ليزكِّي النفوس ويطهِّر القلوب. ومن فضل الله وواسع
كرمه أن جعل للمريض أو المقعد من الأجر ما لا يقل عن الصحيح المعافى إذا صدقت
نيته، بل قد يسبق بقلبه الأصحاء المشاة المهرولين، ويفوقهم أجرًا، بانكساره لله،
وتسليمه بقضاء ربه وقدره.
كيف
تستشعر لذة العبودية وأنت عاجز جسديًّا؟
أخي
الحبيب، إن اللذة الحقيقية في العبادة لا نجدها بحركة الأقدام؛ بل بحركة القلوب.
ويمكنك الوصول لهذه اللذة عن طريق:
1-
استحضار النيات: اعلم
يا أخي الفاضل، أن نيتك الصادقة قد تبلِّغك آفاقًا قد لا يبلغها غيرك من الأصحاء
الأقوياء. يقول النبي ﷺ في شأن من حبسهم العذر عن الغزو: «إن بالمدينة لرجالاً، ما
سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض»
[متفق عليه]. فأنت ما دمت معذورًا تكون بطوافك وسعيك على الكرسي معهم في الأجر
والمنزلة، وربما أكثر وأعلى. فاحرص على استحضار النيات الصالحة في كل منسك وكل عمل
تقوم به.
2-
الانكسار بين يدي الله: إن
أعظم أبواب العبودية يا أخي هو باب الانكسار لله والافتقار إليه. فالحاج القادر
على المشي والسعي والهرولة قد يداخله شيء من العجب بقوته، أما أنت فتقف بباب الله
بضعفك وعجزك، وهذا الانكسار هو جوهر العبودية. يقول ابن القيم رحمه الله: «ما دخل
أحد على الله من باب أوسع من باب الافتقار».
3-
الاشتغال بالذكر والدعاء: بينما
ينشغل بعض الحجاج بتعب الطريق وخطوات الأقدام، تفرَّغ وأنت على كرسيك المتحرك
للعمل بلسانك وقلبك، بالتلبية والذِّكر. وتذكَّر قول الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ
اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾
[الحج: 37]. فالذي يصل إلى الله هو تقوى قلبك، لا قوة عضلاتك.
هل
شعور النقص والعبء يقلل من قدرك عند الله؟
على
العكس تمامًا يا أخي؛ فهذا الشعور هو محض العبودية إذا وجهته لله كما قلتُ، وهو لا
يقلل من قدرك بل قد يرفعه درجات، فميزان الله يختلف عن ميزان البشر؛ حيث لا
ينظر إلى الصور والهيئات؛ بل إلى ما وقر في القلوب. يقول ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى
أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [رواه مسلم]. فقدرك عند
الله يُقاس بصبرك على قدره ورضاك بتدبيره وعزمك على طاعته وتقواه.
الصحابي
الجليل عبد الله بن أم مكتوم، كان أعمى، ومع ذلك نزل فيه قرآن يتلى إلى يوم
القيامة يعاتب فيه الله –عز وجل- نبيه ﷺ من أجله! لم يقلل عماه من قدره، بل كان
مؤذنًا لرسول الله ﷺ، واستخلفه على المدينة في بعض الغزوات.
أما
شعورك بأنك عبء على رفاقك، فليس في محله أبدًا؛ بل إنك هدية ساقها الله إليهم
ليغنموا منها أجر الإحسان إلى المسلم وإعانته على الطاعة. إنك تمنحهم فرصة لخدمة
حاجِّ، وخدمة الحاجِّ من أعظم القربات. ويقول ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد
في عون أخيه» [رواه مسلم]. فبسببك تتضاعف أجورهم، ويعظم ثوابهم، فأنت سبب في
البركة لهم.
كيف
تحوِّل عجزك إلى باب للقرب من الله؟
العجز
الجسدي هو عطية خاصة من الله لك، لتعرفه من أبواب لا يعرفه منها السالمون،
مثل باب الرضا، بأن تقول بلسان حالك: «يا رب، رضيت بما قسمته لي»، وهذا الرضا
هو أقصى درجات القرب. ويقول الله –تعالى- في الحديث القدسي عمَّن ابتلي بالعَمَى:
«إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ (أي بعينيه) فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ
مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» [رواه البخاري]، ونحسب أن ذلك سائر في الابتلاءات كافة.
تأمل
يا أخي في النعمة التي حباك الله بها في البلاء، فحين تطوف على كرسيك، تأمل
فيمن حُرموا الحج كليًّا وهم أصحاء الأبدان. فرغم عجزك البدني ساقك الله إلى بيته،
وهيأ لك فرصة الحج التي حُرم منها كثيرون. حوِّل نظرك من: «ماذا فقدت؟» إلى: «ماذا
أُعطيت».
كما
أن جواز حجك بهذه الصورة شرعًا، هو آية منه –سبحانه- وضعها فيك وفي إخوانك من
المبتلين، ليدل على يُسر شريعته وأحكامه، وعدم تعسيره على عباده. وتذكر أن نبينا
محمد ﷺ طاف بالبيت على بعير في حجة الوداع، ليشرع لأمته التيسير، وليجبر خواطر
الضعفاء غير القادرين على الطواف سيرًا على أقدامهم.
وختامًا
أخي الكريم، إن العاجز الحقيقي ليس من تعطَّلت قدماه؛ بل من تعطل قلبه عن محبة
الله والشوق إليه. أنت في الحج تكون في ضيافة الرحمن، والضيف يُكرم على قدر حاله،
والله أكرم الأكرمين.
اللهم
يا شافي يا معافي، يا من وسعت رحمته كل شيء، نسألك أن تشفي عبدك، وتجبر كسره،
وتمسح على قلبه ببرد اليقين. اللهم تقبل منه طوافه وسعيه وسائر مناسكه، واكتب له
أجر المشاة الساعين وزيادة. اللهم اجعل حجَّه هذا مبرورًا، وذنبه مغفورًا، وافتح
له من أبواب القرب منك ما تضيق عنه الأوصاف. وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله
وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة: