<p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; color:#1F1F1F">أنا سيدة معتادة على توثيق حياتي عبر السوشيال ميديا. أنا الآن في طريقي للحج، وأجد رغبة ملحة في تصوير الكعبة، والمشاعر، والدعاء لمشاركتها مع أصدقائي. لكنني أخشى جدًّا على إخلاص نيتي. <o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; color:#1F1F1F">فهل التصوير في الحج يخدش الإيمان ويقلل الأجر؟ <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";color:#1F1F1F;mso-ansi-language:EN-US; mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وكيف أوازن بين رغبتي في الاحتفاظ بذكريات لهذه الرحلة وبين الفرار من الرياء؟</span>
مرحبًا
بك أختي الكريمة، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبلغك بيته الحرام، وأن
يتقبل منك الحج، وأن يجعل حجك برًّا وسعيك مشكورًا وذنبك مغفورًا، وأن يرزقك
الإخلاص في القول والعمل، وبعد...
الحج
رحلة العمر
إن
الحج -يا أختي- رحلة لا تشبهها رحلة، فهي تلبية لفريضة الله، وإجابة لنداء الخليل
إبراهيم -عليه السلام- وانقطاع عن الدنيا وزينتها للإقبال على رب العالمين.
وفي
هذا العصر الذي أصبحت فيه الأجهزة الرقمية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، بات التحدي
الأكبر أمام الحاج هو الحفاظ على قلبه من مشتتات الصور، وضمان أن تكون كل لحظة في
هذا النسك خالصة لوجه الله تعالى.
هل
التصوير يخدش الإيمان ويقلل الأجر؟
الأصل
في الأشياء الإباحة، والتصوير في حد ذاته وسيلة، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
فالتصوير ليس محرمًا لذاته في المناسك، ولكنه قد يصبح بابًا لخدش الإيمان أو إنقاص
الأجر، بناءً على النية والهيئة.
فإذا
كان التصوير للذكرى الخاصة، أو لإظهار شعائر الله، ونقل حال البيت الحرام لمن
حُرِم من زيارته، بنية طيبة، فهذا لا يقدح في الإيمان. أما إذا تحول المحرك
الأساسي من العبادة إلى الاستعراض، فهنا مكمن الخطر. يقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا
الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متفق عليه].
فإذا كانت النية هي جلب الثناء، أو الإعجابات، أو تكلف إظهار الخشوع أمام الناس،
أو التفاخر والمباهاة، دخلنا في دائرة الرياء والعياذ بالله، الذي قد ينقص الأجر؛
بل وقد يضيعه كاملًا.
لقد
حج النبي ﷺ على رحل رثٍّ، وقطيفة بالية رخيصة، ثم قال: «اللَّهُمَّ حَجَّةً لَا
رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ» [رواه ابن ماجة]. فتأملي كيف استعاذ سيد الخلق من
الرياء وهو في أعظم رحلة إيمانية! فإذا كان هذا حال النبي ﷺ، فنحن من باب أولى أن
نحذر.
كما
أن كثرة التصوير قد تحول الحاج من مُتعبِّد إلى مجرد مصوِّر يراقب الزوايا
والإضاءة والمواقف بدلاً من مراقبة خشوع قلبه. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. فاستغراق
الوقت في التوثيق قد يسرق منك لذة المناجاة التي هي روح الحج. وهو باب من أبواب
الشيطان يختلس منه إخلاصك لله عز وجل، ويضيِّع عليك وقتًا ثمينًا كان أولى أن ينفق
في إحسان العبادة وكثرة الذِّكر.
كيف
توازنين بين توثيق الذكرى والفرار من الرياء؟
إن
هذه الموازنة ممكنة إذا وضعتِ ضوابط صارمة لنفسك، وحولتِ هذه الرغبة إلى عمل صالح
بدلاً من أن تكون عائقًا، وذلك عن طريق:
1-
قاعدة «القلب أولًا»:
اجعلي
قاعدتك عيش اللحظة بالقلب أولًا، ثم توثيقها بعد ذلك إن أردت. فلا تجعلي عدسة
الكاميرا هي الحاجز بين عينك وبين الكعبة. قفي أمام الكعبة، استشعري هيبتها دون
حائل بينك وبينها، وادعي طويلًا حتى تفيض عيناك، فإذا انتهيتِ، التقطي صورة واحدة
سريعة للذكرى دون مبالغة.
2-
تجنبي تصوير «أعمال القلوب»:
من
أكثر ما يقدح في الإخلاص تصوير المرء لنفسه وهو يدعو أو يبكي. فالدعاء مناجاة بينك
وبين الله، فما الداعي لمشاركتها مع الناس؟! وقد كان السلف يحرصون على إخفاء
دمعتهم حتى عن جليسهم. يُروى عن أيوب السختياني -رحمه الله- أنه كان إذا غلبه
البكاء في المجلس، يمسح وجهه ويقول: «ما أشد الزكام!»، يوهم الناس أنه مصاب
بالزكام ليخفي دموع خشوعه. فاجعلي خبيئة عملك أعظم من ظاهره.
3-
حددي وقتًا للنشر:
ليس
بالضرورة أن يكون النشر بثًّا مباشرًا. يمكنك التقاط الصور والاحتفاظ بها، وبعد
عودتك إلى الفندق أو حتى بعد انتهاء الرحلة، اختاري ما هو مفيد وجميل لمشاركته.
هذا يضمن لك عدم الانشغال بمتابعة التعليقات والتفاعلات وأنتِ في المشاعر، وهي
أوقات لا تُعوض.
4-
اجعلي نيتك الدلالة على الخير:
حين
تنشرين صورة، انوي بها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. اجعلي نيتك هي تشويق الناس للبيت
الحرام، ونشر جمال الإسلام، والدعاء لغير القادرين، لا استعراضًا شخصيًّا.
كان
أحد الصالحين يطوف بالبيت، فرأى رجلاً يرفع يديه بالدعاء وقد جعل غيره يصوِّره،
فمال عليه وقال له بصوت خفيض: «يا أخي، إن الله ينظر إلى قلبك لا إلى يدك، فاجعل
قلبك معه كما جعلت يدك مرفوعة له».
وختامًا
أختي الكريمة، إن الحج فرصة لتجديد العهد مع الله، والصور مجرد ظلال لواقع عشته.
فاحرصي على أن تكون ذكرياتك المحفورة في قلبك أعمق وأجمل بآلاف المرات من تلك
المخزنة على هاتفك. اذهبي وأنتِ ترددين في سرك: «اللهم تقبل مني، ولا تجعل في عملي
هذا نصيبًا لأحد غيرك». كوني حاضرة القلب، خاشعة الجوارح، وسلي الله دائمًا الثبات
على الإخلاص.
أستودع
الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
روابط
ذات صلة:
الحج في زمن الكاميرا.. بين الإخلاص والاستعراض