لماذا تضخم عقولنا بعض مخاوفنا؟

الخوف هل بشكل عائقا أمام الخوف وهل يمكن أن يقلص عمليات التفكير؟

أخي الكريم، هناك الكثير من العوائق والقيود التي قد تؤثر على قدرات العقل على التفكير؛ وربما عطلت تلك الملكة، وأنتجت أفكارًا تزيد من أزمات الإنسان ومعاناته.

 

ويأتي الخوف كعائق كبير أمام العقل والتفكير خاصة إذا تحول إلى حالة من الرهاب أو الخوف المرضي، فتجد الإنسان تتملكه مشاعر الخوف بكل ما تحويه من قسوة وتعطيل للحياة.

 

الخوف موت بطيء

 

يقول الكاتب الأمريكي "فرانك هربرت" في روايته "كثب" وهي إحدى روايات الخيال العلمي: "الخوف قاتل العقل، الخوف هو الموت البطيء الذي يجلب الفناء التام"، وهي مقولة كاشفة لتأثيرات الخوف المدمرة للعقل الإنساني، والمفسدة للتفكير؛ فالخوف يعيق التفكير الصحيح، ويعطل التفكير النقدي، ويعيق اتخاذ القرارات السلمية، ويعطل العقلانية، ويضع العقل تحت تهديد وضغط مرهق للغاية يعطل ملكات الإبداع.

 

ومن مظاهر تعطيل الخوف للتفكير:

 

* تعطيل العقلانية: والعقلانية تعني الاسترشاد بالعقل والاستناد إليه، والاستناد إلى أدلة قوية وأن يكون البرهان هو السبيل للوصول للحقيقة، والخوف يعطل هذه الميزة الإنسانية، ولذلك كان الفيلسوف عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد" يرى أن الخوف هو من تأثير الجهل، والجهل لا يعني قلة المعلومات، ولكن ضعف الإدراك وغياب المنهجية في التفكير.

 

* الخوف يحفز الرؤية النفقية: فهو يضيق نطاق التفكير إلى أقصى حد، ويقلل البدائل، وبالتالي يجبر العقل والتفكير على السير في النفق، الذي ليس أمامه إلا مخرج واحد فقط، ولا شك أن ذلك يعطل التفكير ويخلق روحًا جبرية لا حرية اختيار فيها.

 

* الخوف يحفز التشوهات المعرفية: فالخوف يفسر كل شيء من منظوره المرتجف، حتى الحقائق الناصعة يتجاهلها ويتغاضى عن رؤيتها فيشعر الشخص أن الأخطار تحدق به ولا سبيل للنجاة، وهو ما يغذي القلق والتوتر الدائم فتصعد الأفكار السلبية لتحتل مراكز التفكير في العقل وتسدل الستائر السوداء، وذلك لأن الخوف يعزز التفكير المشوه.

 

كيف أواجه الخوف؟

 

مواجهة الخوف مهمة للغاية في التخلص منه، فبدون مواجهة ستظل المخاوف "مخلوقًا أسطوريًّا" يسيطر على التفكير بما يخيله ويضخمه من أوهام، تقول الكاتب الأمريكية "إليانور روزفلت، التي كانت زوجة للرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت، في كتابها الطريف "تتعلم من خلال الحياة: أحد عشر مفتاحًا لحياة أكثر إشباعًا": "تكتسب القوة والشجاعة والثقة من كل تجربة تتوقف فيها حقًّا لتواجه الخوف وجهًا لوجه. تستطيع أن تقول لنفسك: "لقد عشتُ هذا الرعب. أستطيع مواجهة ما سيأتي بعده".

 

والحرية أحد سبل التحرر من الخوف؛ فدائمًا فاقدو الحرية يسرفون في الإحساس بالخوف، وجزء كبير من هذا الخوف هو نتاج تصوراتهم، وقد لا يكون بالضرورة قيودًا من الخارج أو في الظاهر، لذلك سخر بعض السادة من هذا الخوف من الحرية، وقال: "إذا أردت أن تقتل العبدَ فأعطه حريته"، ولهذا كان الشاعر الصوفي "جلال الدين الرومي" يقول: "حيث يكون الخوف، لا يكون الحب، وحيث تكون الحرية، يسقطُ الخوف".

 

*اختبار الأدلة: يقترح بعض الخبراء علاجًا سلوكيًّا معرفيًّا لمواجهة الخوف، من خلال اللجوء إلى العقل والتفكير، وهو قائم على مساءلة الخوف عن أدلته التي تبرر الخضوع له، فلا خوف بلا وجود أدلة، فيجب ألا يُبنى الخوف على الأوهام.

 

وأخيرًا أخي الكريم، الكثير من مدارس الطب النفسي والتنمية البشرية، تغفل دور الإيمان في تغيير الأفكار لمواجهة الخوف، ولا ترى في الإيمان طاقة فكرية وروحية ناجعة لمواجهة تلك المخاوف، فالإيمان يحرر الإنسان من الخوف بشتى صوره كالخوف من ضياع الرزق أو الأشخاص أو الأشياء أو المستقبل، ويحض المؤمن على التمسك بخوف واحد هو الخوف من الخالق سبحانه وتعالى وخشيته، وهذا الخوف هو الذي يحرر الإنسان من كل خوف.

 

موضوعات ذات صلة:

الخوف الوجودي أزمة إنسانية

كيف يعيق التحيز التأكيدي قدرات العقل على التفكير؟

كيف تستفيد عقولنا من الترفيه؟

الأفكار المتطفلة.. ما هي؟ وكيف نقاومها؟