دفعتُ عربوناً لشراء منزل، لكن البائع تراجع عن البيع لأنه وجد مشترياً آخر دفع له سعراً أعلى، فهل يحق لي شرعاً المطالبة بضعف العربون كتعويض عن تراجعه؟
الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً بك أخي الكريم، وإليك التفصيل الفقهي المتعلق بمسألة "بيع
العربون" ونكث العهد من أجل زيادة السعر، مبينًا الحقوق والالتزامات المترتبة
على كافة الأطراف.
اختصارًا: العرف
حاكم في هذه المسألة ودفع العربون يؤذن بتمام البيع شرعًا وتراجع
البائع عن البيع لمجرد وجود مشترٍ آخر دفع سعرًا أعلى هو فعل محرم شرعًا؛
لأنه يتضمن إخلافًا للوعد ونقضًا للعقد وبيعًا على بيع أخيه. أما بخصوص "ضعف
العربون"، فمن الناحية الشرعية المحضة، يجب على البائع رد العربون كما أخذه،
ولا يحق للمشتري المطالبة بالضعف إلا إذا وُجد "شرط جزائي" صريح في العقد
ينص على ذلك، أو ثبت وقوع ضرر مادي فِعْلِيٌّ على المشتري يستوجب التعويض.
الموقف
الشرعي للبائع
•
الإثم الشرعي: البائع آثم بمخالفته لقول النبي ﷺ: (لا يَبِعْ
بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ). فبمجرد دفع العربون وقبول البائع له، فقد
انعقد بينهما نوع من الارتباط لا يجوز نقضه من طرف واحد لأسباب مادية بحتة.
•
نقض العهد: يعتبر تصرفه من قبيل إخلاف الوعد الذي ذمه الإسلام،
وهو مطالب شرعًا بإتمام البيع للمشتري الأول ما دام المشتري لم يخلّ بشروط الاتفاق.
•
التحكيم العرفي: ويستحسن للمشتري أن يتوجه إلى التحكيم العرفي بينه
وبين البائع؛ لأن التحكيم القانوني بلا أوراق رسمية تثبت هذا التصرف في الغالب لن
تُفضي إلى رجوع الحق.
الموقف
الشرعي للمشتري الأول
*
الحق في استرداد المال: طبعًا المشتري الأول له كامل الحق
في استرداد العربون الذي دفعه فورًا.
*
المطالبة بالتعويض (الضعف):
O إذا كان هناك اتفاق مسبق على شرط جزائي: يجوز للمشتري أخذ التعويض المتفق عليه (كالضعف) وفقًا لقرار مجمع الفقه الإسلامي
الذي أجاز الشرط الجزائي في عقود البيع (ما عدا الديون) لتعويض المتضرر عن
"فوات الربح" أو "الضرر الواقع".
O إذا لم يوجد اتفاق: لا يجوز له المطالبة
بضعف العربون، بل يرفع أمره للقضاء أو التحكيم لتقدير حجم الضرر الفعلي الذي لحق
به مثل بيعه مثلاً أرضًا أو عقارًا آخر، ويُعوض بقدر الضرر فقط.
الموقف
الشرعي للمشتري الثاني
•
حكم الشراء: إذا كان المشتري الثاني يعلم بوجود مفاوضات
قائمة أو عربون مدفوع من شخص آخر؛ فشراؤه حرام شرعًا لأنه "شراء على
شراء أخيه"، ويجب عليه الانسحاب فور علمه.
•
عدم العلم: إذا كان لا يعلم، فالإثم يقع على البائع وحده، وتصح
البيعة الثانية ظاهرًا، ولكن يبقى حق المشتري الأول في مطالبة البائع بالتعويض.
القواعد
الشرعية الحاكمة
1. قاعدة (المسلمون على شروطهم): فإذا اتفق الطرفان عند دفع العربون أن من نكث
غرم كذا، وجب الوفاء بهذا الشرط.
2. قاعدة (لا ضرر ولا ضرار): تراجع البائع ألحق ضررًا بالمشتري الأول،
والشريعة جاءت لإزالة هذا الضرر بالتعويض العادل.
3. قاعدة (البيع على البيع): وهي النهي النبوي الصريح عن الدخول في صفقة شخص
آخر لإفسادها، سدًّا لذرائع العداوة والبغضاء بين الناس.
4. قاعدة (العربون): أجاز الحنابلة وتبعهم مجمع الفقه في بيع العربون أن يحتفظ
البائع بالعربون إذا تراجع المشتري، وبالمقابلة، أجاز المعاصرون قياسًا على ذلك أن
يعوض البائعُ المشتريَ إذا كان التراجع من طرف البائع، حفظًا لتوازن العقود.
إذا
لم يكن بينكما عقد مكتوب يتضمن الشرط الجزائي، فالأفضل هو محاولة الإصلاح بطلب
تعويض عادل عن "تعبك" وضياع وقتك، وإلا فالبائع مطالب شرعًا أمام الله
بإتمام البيع لك بالسعر الأول أو إرضائك بما تراه مناسبًا للتنازل عن حقك. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
مسئولية الشريك عند خسارة مال الشركة