السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أودّ طرح استفسار شرعي مهم يتعلّق بموضوع الظلم، خاصة في ظل ما نراه من أحداث مؤلمة كـ مجزرة التضامن وما شابهها من صور الاعتداء على الأبرياء. سؤالي: ما الحكم الشرعي فيمن يشارك في ظلم الناس أو الاعتداء عليهم، سواء بالفعل المباشر أو بالمساندة أو تنفيذ الأوامر؟ وهل يُعذر الإنسان إذا قال إنه كان مجبرًا أو ينفّذ تعليمات صادرة إليه؟ كما أرجو بيان حدود الطاعة للجهات المسؤولة، ومتى تكون الطاعة محرّمة إذا تعلّقت بإيذاء الآخرين أو سلب حقوقهم؟ وأيضًا: ما واجب المسلم إذا كان شاهدًا على ظلم ولم يستطع تغييره بيده؟ وما هي الوسائل الشرعية التي يمكنه القيام بها دون أن يعرّض نفسه لضرر أكبر؟ جزاكم الله خيرًا، ونفع بعلمكم.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً بك أخي الكريم، وإن ما ذكرته من فظائع تقشعر لها الأبدان، كـ مجزرة التضامن
وغيرها، هي من أعظم الكبائر التي توعد الله فاعلها بالخلود في نار جهنم. والشرع
الحنيف لم يترك مجالاً للبس في قضية الدماء والحقوق، ولا يرفع الإثم عمن شارك فيها
كونه عبد الآمر، فلن يغني الآمر عن المأمور فتيلاً.
اختصارًا: المشاركة
في الظلم أو الاعتداء على النفس والمال والعرض محرمة قطعيًّا، وتعتبر
من الكبائر. ولا يُعذر المكلف بتنفيذ أوامر رؤسائه إذا كانت تتضمن معصية للخالق أو
اعتداءً على بريء، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومن باشر القتل أو التعذيب
فهو آثم ومحاسب شرعًا، حتى وإن ادّعى الإكراه، لأن دم الأخ المعصوم ليس دون دم
المعتدي في الحرمة.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
1. قاعدة
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: وهي أصل أصيل؛ فكل أمر يصدر من مسؤول أو حاكم
يخالف نصًّا صريحًا في الشرع مثل قتل النفس هو أمر باطل لا يجوز تنفيذه.
2. قاعدة
الضرر لا يُزال بالضرر: وتعني أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه
كخوفه من السجن أو الطرد من العمل بإلحاق ضرر مساوٍ أو أكبر بغيره كقتل الآخر أو
تعذيبه.
3. قاعدة
المباشر ضامن وإن لم يتعمد: في أحكام الدماء، من باشر القتل هو المسؤول الأول
أمام الله والقضاء، ولا يخلي مسؤوليته قوله أمرت بذلك.
4. مراتب
تغيير المنكر: باليد، ثم اللسان، ثم القلب، مع مراعاة قاعدة درء المفاسد بحيث
لا يؤدي التغيير إلى مفسدة أعظم من المنكر نفسه.
آراء
العلماء في جنود الظالمين ومن ينفذون الأوامر لكسب لقمة العيش:
*
أعوان الظلمة: اتفق العلماء على أن من يشارك الظالم في ظلمه، سواء
بكتابة، أو حراسة، أو تنفيذ، يدخل في وعيد أعوان الظلمة. وقد سأل خياط الإمام أحمد
بن حنبل: أنا أخيط ثياب السلطان الظالم، فهل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له: بل أنت
من الظلمة أنفسهم، أما أعوانهم فمن يبيعك الإبرة والخيوط.
*
حجة لقمة العيش: أجمع الفقهاء على أن طلب الرزق ليس عذرًا لارتكاب
المحرمات، فكيف إذا كان المحرم هو الدماء؟ الرزق بيد الله، ومن ترك شيئًا لله عوضه
الله خيرًا منه، ولا يجوز شراء الحياة الدنيا بذبح الآخرين.
*
حدود الطاعة: الطاعة
تكون في المعروف فقط. فإذا أمرت الجهة المسؤولة بما فيه نفع للناس أو تنظيم
لحياتهم وجبت الطاعة، أما إذا أمرت بظلم فإنه يحرم التنفيذ، ويجب على المسلم
الاعتذار أو الاستقالة أو التواري.
نفس
أخيك وحرمته ليستا أولى من نفسك وحرمتك إذا تعارضتا:
يا
عبد الله، اعلم أن الشريعة جعلت حفظ النفس من الضرورات الخمس، ولكنها لم تجعل نفسك
أغلى من نفس أخيك. إذا وُضع السيف على رقبتك وقيل لك: اقتل فلانًا وإلا قتلناك،
فإنه يحرم عليك قتله بإجماع العلماء.
لماذا؟ لأنك
بفعلك هذا تفتدي نفسك بنفسه، وتؤثر حياتك على حياته، وليس دمك بأولى من دمه، ولا
روحك بأكرم عند الله من روحه. إن الموت وأنت مظلومٌ مقتول خيرٌ لك ألف مرة من أن
تلقى الله وأنت ظالمٌ قاتل.
أما
من يشهد الظلم ولا يستطيع دفعه بيده أو لسانه خوفًا من هلاك محقق، فواجبه هجرة
مكان المنكر بقلبه، وبغض الفعل، والابتعاد عن مواطن
الشبهات، والدعاء للمظلومين. واعلم أن الساكت عن الحق في مقام البيان هو شيطان
أخرس، لكن الشرع أباح لك الصمت والإنكار بالقلب إذا تيقنت أن الكلام سيؤدي إلى
قتلك دون فائدة للمظلوم، شرط ألا تلوث يدك بظلم أو لسانك بشهادة زور. اتقِ الله في الدماء، فإنها أول ما يُقضى فيه بين العباد يوم
القيامة. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كيف نفهم شخصية السفاح أمجد يوسف؟