استثمرت مبلغاً من المال في عملة رقمية (Bitcoin) بناءً على فتوى بجوازها كأصل مالي، لكن القيمة انهارت فجأة وخسرت 70% من رأس مالي. هل يجوز لي بيع 'الخسارة' لمستثمر آخر لإيهامه بأنها سترتفع؟ وهل يجب عليّ إخراج الزكاة على المبلغ الأصلي الذي دفعته أم على القيمة الحالية المنخفضة في المحفظة؟"
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً بك أخي الكريم..
اختصارًا: يحرم
شرعًا اللجوء إلى الكذب أو التضليل (التدليس) لإقناع مستثمر آخر بشراء أصل مالي
خاسر، فهذا من الغش المنهي عنه. أما بخصوص الزكاة، فإنها تجب على القيمة السوقية
الحالية للعملات في محفظتك وقت إخراج الزكاة، وليس على رأس المال الأصلي. وبشأن
حكم العملة ذاتها، فإن الموقف الرسمي للمجامع الفقهية الكبرى يميل إلى المنع حاليًا
بسبب المخاطر العالية وغياب الضمانات.
القواعد
الحاكمة
*
"من غشنا فليس منا": قاعدة نبوية قاطعة تحرم كافة أشكال
الخديعة في البيع والشراء.
*
"الغنم بالغرم": الربح يقابله تحمل الخسارة؛ فكما
كنت ترجو الربح، عليك تحمل الخسارة دون نقلها للآخرين عبر التدليس.
*
"الزكاة تابعة للمال النامي": والنمو أو
النقص يُقدر بقيمته الحالية، فالزكاة تجب في الموجود لا في المفقود.
*
"الحرمة لا تبيح الحرام": وقوعك في خسارة (حتى لو كانت
بسبب تقلبات سوق غير مستقر) لا يبيح لك ارتكاب محرم آخر وهو الغش.
حكم
التجارة في البيتكوين
الأغلبية
الساحقة تميل إلى التحريم أو التوقف، من أبرزها:
*
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: أصدر قرارًا رسميًّا
بـ تحريم التعامل بالبيتكوين والعملات الرقمية غير الرسمية
بحالتها الراهنة، معتبرًا إياها تفتقر لوظائف النقود الحقيقية، وتشتمل على غرر
فاحش وجهالة، وتؤدي لضياع الأموال كما حدث في الخسارة التي تعرضت لها.
*
مجمع الفقه الإسلامي الدولي: لا يزال يدرس المسألة بعمق، ولكنه
يحذر من المخاطر العالية وغياب الغطاء المالي القانوني لها.
*
دور الإفتاء الرسمية (مصر، السعودية، الأردن): أفتت
بالمنع لما فيها من مقامرة وتهديد للاستقرار المالي للفرد والمجتمع.
المخرج
الشرعي لمن اشترى بناء على فتوى بالجواز ثم اطلع على حكم آخر بعدم الجواز
إذا
استثمرت بناءً على اجتهاد عالم تثق به ثم تبين لك المنع، فالمخرج هو:
1. براءة
الذمة: لست آثمًا فيما مضى لأنك قلدت من تظن علمه، ولكن يجب عليك التوقف
فوراً عن المضاربات الجديدة.
2. التسييل: يجوز
لك بيع ما تبقى من العملات لاسترداد ما يمكن من رأس مالك الأصلي؛ لأن رأس المال هو
ملكك شرعًا.
3. حكم
بيع البيتكوين لشخص آخر
*
البيع المباح: هو أن تعرض العملة في المنصة بسعرها المعلن
ليشتريها من يرغب بمحض إرادته، فهذا جائز لاسترداد مالك.
*
البيع المحرم (التدليس): هو "إيهام" مستثمر معين
بأن العملة سترتفع أو الكذب عليه بخصوص قيمتها المستقبلية لدفعه للشراء وتخليص
نفسك من الخسارة. هذا يُسمى شرعًا "التدليس" وهو باطل،
ويمنح المشتري حق "خيار العيب" أو فسخ العقد شرعًا إذا اكتشف الخديعة.
تفصيل
الحكم الشرعي في زكاة المال المعد للاستثمار
بما
أنك اشتريت العملات بقصد التجارة والربح، فهي تُعامل معاملة "عروض
التجارة":
1. القيمة المعتبرة: هي القيمة السوقية في يوم وجوب الزكاة.
2. طريقة الحساب: إذا كان رأس مالك الأصلي 100 ألف وأصبح الآن 30 ألفًا،
فإنك تزكي الـ 30 ألفًا فقط (بنسبة 2.5%).
3. شرط النصاب: يجب أن تكون القيمة الحالية المتبقية تبلغ النصاب (ما
يعادل قيمة 85 جرامًا من الذهب الخالص). إذا كانت الخسارة جعلت المبلغ أقل من
النصاب، فلا تجب عليك الزكاة في هذا العام.
تفصيل
آراء الفقهاء
*
الجمهور: يرى
أن الزكاة في عروض التجارة تكون على القيمة الحاضرة، ولا عبرة بسعر الشراء القديم؛
لأن الزكاة "مواساة" للفقير من المال الحاضر النامي.
*
في التدليس: اتفق الفقهاء على أن الصدق والبيان هما ركنا
البركة في البيع، لقوله ﷺ: "فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا
وكتما محقت بركة بيعهما".
الخسارة
مؤلمة، لكن استرداد المال بالحلال والصبر على الابتلاء خير وأبقى من ربح مشوب
بالخديعة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: