والدنا طاعن في السن وأصيب بسكتة دماغية شاملة، والأطباء أكدوا أن دماغه مات إكلينيكياً ولا أمل في شفائه، وهو الآن يعيش فقط بواسطة أجهزة التنفس الصناعي. تكلفة العناية المركزة تستهلك مدخرات العائلة وتثقل كاهل الإخوة بالديون. هل يجوز لنا شرعاً طلب فصل الأجهزة عنه وتركه ليموت موتاً طبيعياً؟"
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً بك أخي الكريم، وأعانكم الله في مصابكم وألهمكم الصبر والاحتساب في هذا
الظرف العصيب. هذه المسألة من أدق المسائل الطبية والفقهية المعاصرة، وينازع النفس
فيها منطق وعلم يقرر أنه لم يعد هناك أمل، وأمل باهت أقرب إلى الوهم، منبعه حب
الوالد وطول العشرة ويحتار المرء فلا يختار.
اختصارًا: يجوز
شرعًا رفع أجهزة الإنعاش الصناعي عن المريض إذا قررت لجنة من الأطباء المختصين
الموثوقين أن الدماغ قد توقف توقفًا نهائيًّا لا رجعة فيه بموت الدماغ أو موت جذع
المخ، وأن استمرار عمل القلب والتنفس إنما هو بفعل الأجهزة فقط. في هذه الحالة،
يُعتبر الشخص ميتًا حكمًا، ولا يُعد فصل الأجهزة قتلاً له، بل هو ترك الميت ليأخذ
جسده وضعه الطبيعي، خاصة مع انعدام الأمل في الشفاء واستنزاف أموال الورثة في غير
طائل، يضاف إلى هذا أنه من الناحية العلمية لم يسبق أن عادت حالة واحدة من موت جذع
المخ إلى الحياة على كثرة التجارب والمحاولات.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
* "المشقة
تجلب التيسير": التكاليف الباهظة والديون التي تثقل كاهل
الأسرة مع انعدام الأمل في الشفاء تُعد مشقة معتبرة تستوجب التخفيف.
* "لا
ضرر ولا ضرار": بقاء الأجهزة مع استهلاك أموال الورثة
وإلحاق الضرر المادي والنفسي بهم دون مصلحة حقيقية للمريض هو ضرر يجب رفعه.
* "الحاجة
تنزل منزلة الضرورة": الحاجة إلى الحفاظ على أموال الورثة من
النفاد في علاج "ميت حكمًا" تبيح اتخاذ قرار الفصل.
* "الأصل
براءة الذمة": ليس على الأبناء شرعًا وجوب استدانة
الأموال لعلاج حالة ميؤوس منها طبيًّا وإكلينيكيًّا.
الحكم
الفقهي من أقوال العلماء والمجامع الفقهية:
اتفقت
المجامع الفقهية الكبرى على جواز فصل الأجهزة في حالة موت الدماغ، من ذلك:
1. قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي (التابع لمنظمة التعاون الإسلامي): في
دورته الثالثة عام 1986م، نص على أن الشخص يعتبر ميتًا شرعًا وتترتب عليه أحكام
الموت إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائيًّا، وحكم الأطباء الاختصاصيون بأن
هذا التعطل لا رجعة فيه، حتى وإن كان القلب لا يزال ينبض آليًا بفعل الأجهزة.
2. قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي: أكد على جواز كف أجهزة الإنعاش
إذا تعطل الدماغ كليًّا، بناءً على تقرير لجنة طبية؛ لأن بقاء المريض حينئذ يكون
عبارة عن "حركة مذبوح" لا حياة حقيقية معها.
3. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: رأت أنه إذا وصل المريض إلى مرحلة
موت الدماغ، فلا مانع من إيقاف الأجهزة؛ لأن الاستمرار في وضعها يستهلك الإمكانيات
والمال دون فائدة ترجى للمريض.
ويفرق
الفقهاء والأطباء بين "الغيبوبة العميقة" و"الموت الاكلينيكي"
بموت جذع الدماغ:
*
الغيبوبة العميقة: يكون الدماغ فيها لا يزال حيًّا، وهناك
احتمال ولو ضئيلاً للإفاقة، وهنا لا يجوز فصل الأجهزة.
*
الموت الاكلينيكي بموت الدماغ: هو
تلف خلايا المخ وجذعه تمامًا، وهو مركز العمليات الحيوية. في هذه الحالة، يتوقف
الشخص عن التنفس الطبيعي، وما تراه من حركة الصدر أو نبض القلب هو نبض
"آلي" ناتج عن دفع الجهاز للأكسجين وتحفيز عضلة القلب ميكانيكيًّا.
الضوابط
الشرعية للتنفيذ:
1.
يجب أن يصدر تقرير الموت الدماغي عن لجنة طبية مختصة في العادة ثلاثة
أطباء، وليس طبيبًا واحدًا.
2.
التأكد من أن التوقف الدماغي نهائي ولا رجعة فيه وفقًا للفحوصات
الطبية المعتمدة مثل تخطيط الدماغ أو اختبارات جذع الدماغ.
3.
بمجرد فصل الأجهزة وتوقف القلب تبعًا لذلك، تبدأ أحكام الموت الشرعية من غسل
وتكفين وصلاة وتوزيع للميراث.
فلا
حرج عليكم في طلب فصل الأجهزة طالما أن حالة الوالد وصلت لموت الدماغ بشهادة
الأطباء، بل إن حفظ أموال الأسرة من الضياع في هذه الحالة هو من مقاصد الشريعة في
حفظ المال، والوالد في هذه الحالة قد فارقت روحه جسده عند الله، وما بقي هو جثمان تتدخل
الأجهزة في حركته الظاهرية فقط. غفر الله لوالدكم وبارك فيكم. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
رفع أجهزة الإنعاش عن المريض.. حكمه وضوابطه