نكاح أو خلع أو طلاق.. العبرة حفظ حدود الله من العبث

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي آراء صادمة لبعض المنتسبين إلى العلم حول مسالة الخلع وأنه للمجتمع والأسرة أفضل من الطلاق، إذا أن الطلاق محدود بمرات ثلاث لكن الخلع لا حدود له، فللمرأة أن تختلع عددا لا محدودا من المرات، وأن الناس ضد مسألة الخلع لجهلهم بمزاياها ولو عرفوها لأخبوها على حد قوله، والمرجو من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي وموقف الشريعة السمحة من هذه الآراء، وبارك الله فيكم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً أخي السائل الكريم، إن ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتطلب دائمًا عرضًا على موازين العلم الشرعي المنضبط، بعيدًا عن الإثارة أو محاولة إيجاد "مخارج" قد تخل بمقاصد الشريعة في حفظ الأسرة.

 

اختصارًا: الخلع وسيلة شرعية جعلها الإسلام للمرأة لرفع الضرر عن نفسها إذا استحال عيشها مع زوجها، مقابل عوض مادي تدفعه. والقول بأنه "أفضل" من الطلاق لمجرد عدم احتسابه من الطلقات الثلاث (على رأي بعض العلماء) هو قول قاصر؛ لأن الشريعة لم تنظر فقط إلى عدد المرات، بل تنظر لاستقرار الأسرة.

 

الزواج ميثاق غليظ، وتصوير الخلع كأداة "غير محدودة" لتكرار الفراق والعودة يهدم هيبة هذا الميثاق، ولعل النظر وحده في آية الخلع في سورة البقرة {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة: 229) يكفي لمعرفة ميزان الشريعة، فمدار الأمر في النكاح والطلاق والخلع هو إقامة حدود الله، لا التلاعب بها والتهرب منها.

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

* الأصل في الأبضاع الحظر: فلا يجوز إنهاء العلاقة الزوجية إلا بمسوغ شرعي.

 

* الضرر يزال: وهي القاعدة التي استند إليها مشروعية الخلع لدفع الضرر عن الزوجة.

 

* المشقة تجلب التيسير: شُرع الخلع تيسيرًا على المرأة التي لا تطيق البقاء في عصمة زوجها.

 

* الأمور بمقاصدها: إذا كان القصد من الخلع هو التلاعب بحدود الله للالتفاف على الطلقات الثلاث، دخل ذلك في باب الحيل المذمومة.

 

انقسم الفقهاء في تكييف الخلع إلى رأيين مشهورين:

 

1. أنه طلاق بائن: وهو قول جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية، والشافعية في الأصح). وبناءً عليه، يُحسب طلقة من الطلقات الثلاث.

 

2. أنه فسخ لعقد النكاح: وهو قول الإمام أحمد بن حنبل (في المشهور عنه) وقول الشافعي في القديم. وبناءً عليه، لا يُحسب من الطلقات الثلاث.

 

حكمة الخلع:

 

تتجلى حكمة الشريعة في الخلع في إيجاد "مخرج عادل" للطرفين؛ فكما جعلت الطلاق بيد الرجل لإنهاء العلاقة عند الضرورة، جعلت الخلع بيد المرأة لتفتدي نفسها إذا كرهت البقاء، مع جبر ضرر الزوج ماديًّا (برد المهر) لقاء خسارته لزوجته وتكاليف زواجه.

 

مشروعيته:

 

الخلع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع:

 

* من القرآن: قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229].

 

* من السنة: قصة زوجة ثابت بن قيس حين جاءت للنبي ﷺ وقالت: "إني لا أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام"، فقال لها: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم، فأمره النبي ﷺ أن يطلقها.

 

هل يعتبر ضمن عدد مرات الطلاق؟

 

* عند الجمهور: نعم، هو طلقة بائنة تنقص من عدد الطلقات الثلاث التي يملكها الرجل.

 

* عند الحنابلة ومن وافقهم: لا، هو فسخ لا ينقص عدد الطلقات.

 

وحتى على القول بأنه فسخ (لا يحتسب)، فلا يعني ذلك "اللامحدودية" كما يروج البعض؛ لأن العود بعد الخلع يتطلب عقدًا ومهرًا جديدين، وتكرار ذلك بلا مبرر هو عبث بمقاصد النكاح.

 

والخلع، كالطلاق، هو "آخر الدواء". إذا استُخدم في موضعه (عند استحالة العشرة) فهو وسيلة لحماية أفراد الأسرة من العيش في بيئة سامة ومؤذية. أما الترويج له كخيار "أفضل" من الطلاق لمجرد التهرب من القيود الشرعية، فهو يؤدي إلى:

 

1. زعزعة استقرار مؤسسة الزواج.

 

2. تحويل الميثاق الغليظ إلى عقد هش يسهل نقضه وإعادته.

 

3. استغلاله ماديًّا ضد المرأة أو كأداة ضغط ضد الرجل.

 

على المسلم أن يكون فطنًا لما يُنشر على منصات التواصل، وعليه أن:

 

* التثبت: وعدم أخذ الفتوى إلا من الراسخين في العلم والموثوقين لا طالبي الشهرة ومثيري الجدل.

 

* الحذر من "شذوذ الآراء": فبعض الآراء تُطرح فقط لإثارة الجدل أو لمحاولة عصرنة الدين بما يوافق أهواء شخصية.

 

* إدراك مقاصد الشريعة: الشريعة لم تأتِ لتسهيل "الطلاق المتكرر"، سواء كان بلفظ الطلاق أو الخلع، بل أتت لتعظيم شأن الأسرة وسد ذريعة العبث بالعقود.

 

فالقول بأن الخلع "أفضل" لأنه "غير محدود" هو قول يفتقر للتحقيق المقاصدي، ويخلط بين كونه رخصة لدفع الضرر وبين كونه حيلة للالتفاف على أحكام الطلاق. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

يحرمني ويكشف أسرارنا.. كيف أطلب الخلع؟

مساعي تفكيك الأسرة المصرية تتزايد وسط تحذيرات من مختصين