الجمع بين وظيفتين بين الحكم الشرعي واللوائح الإدارية

أنا أعمل في وظيفة جامعية في مصر وتبعا لما أعلمه عن قانون الجامعات فإنه لا يجوز الجمع بين التدريس الجامعي ووظيفة أخرى لكن هل هذا ينطبق على العمل أونلاين كـأن أعمل مثلا كصانعة محتوى على الفيسبوك أو أن أعمل مثلا كمدربة للذكاء الاصطناعي على تعلم اللغة العربية واللهجة المصرية وأتقاضى أموالا على ذلك؟ وإن كان ذلك جائزا فهل يجب على إبلاغ جهة العمل من أجل أن تعرف الدولة مقدار الضرائب؟

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

فأهلاً بكِ يا دكتورة، ونحييكِ على هذا الطموح والحرص على الجمع بين الرسالة الأكاديمية ومواكبة التطور الرقمي، ولكن قبل بناء حكم شرعي يجب التحقق أولاً من الوضع القانوني لأنه أساس التعاقد وشروطه واجبة التنفيذ، لقول النبي: (المؤمنون عند شروطهم).

 

أولاً: الوضع القانوني:

 

القواعد القانونية الحاكمة (قانون الجامعات المصري):

 

المادة 91: تحظر على أعضاء هيئة التدريس الاشتغال بالتجارة أو الجمع بين وظيفتهم وأي عمل لا يتفق مع كرامة الوظيفة.

 

المادة 92: تسمح بالعمل "خارج الجامعة" في غير أوقات العمل الرسمية بشرط ألا يضر ذلك بواجبات الوظيفة، ولكنها تشترط موافقة رئيس الجامعة إذا كان العمل لدى "جهة" أخرى بصفة منتظمة.

 

طبيعة العمل الحر (Freelancing): العمل أونلاين كصانعة محتوى أو مدربة ذكاء اصطناعي يُصنف قانونًا كـ "نشاط مهني غير تجاري" أو "إبداع فكري"، وهو غالبًا لا يصطدم بحظر الجمع بين وظيفتين ما دام لا يوجد "عقد توظيف كامل" مع جهة أخرى.

 

ومن الناحية الشرعية:

 

اختصارًا: يجوز شرعًا الجمع بين الوظيفة الجامعية والعمل الحر بشرطين أساسيين:

 

الأول: ألا يؤثر هذا العمل على أداء واجباتكِ الوظيفية التي تتقاضين عليها أجرًا من الجامعة.

 

الثاني: الالتزام بالعقود واللوائح المنظمة للعمل (ما لم تخالف الشرع).

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

قاعدة (المسلمون على شروطهم): الوظيفة الجامعية هي "عقد" بينكِ وبين الدولة. شرعًا، يجب الوفاء بشروط هذا العقد، فإذا كان العقد يمنع الجمع بين وظيفتين، فالمقصود غالبًا هو "الوظيفة الرسمية" التي تستهلك وقت وجهد العمل الرسمي، أما العمل الحر في وقت الفراغ فمباح ما لم يشترط العقد غير ذلك صراحة.

 

قاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة): العمل في صناعة المحتوى أو تدريب الذكاء الاصطناعي هو عمل مباح وأجرته حلال، ما دام المحتوى نافعًا ولا يخالف الآداب الشرعية.

 

قاعدة (أداء الأمانة): الوقت المخصص للجامعة (محاضرات، أبحاث، ساعات مكتبية) هو أمانة، فلا يجوز شرعًا استغلاله في العمل الخاص أونلاين.

 

آراء العلماء المعاصرين في "العمل الإضافي":

 

جواز العمل الحر: يرى جمهور العلماء المعاصرين أن الموظف "أجير خاص" في وقت الدوام، و"حر" في غير وقت الدوام. لذا، فمن حقكِ استثمار مهاراتكِ وعلمكِ في غير أوقات العمل الرسمية لزيادة دخلكِ، وهذا من باب السعي المباح.

 

شرط عدم التعارض: يشترط العلماء ألا يؤدي العمل الإضافي إلى "إنهاك" الموظف لدرجة تقصر بفعله في وظيفته الأساسية؛ لأن إتقان العمل الأساسي واجب شرعي.

 

الالتزام بالقوانين المنظمة: يرى الفقهاء أن القوانين التي تضعها الدولة لتنظيم الوظائف (مثل منع الجمع بين وظيفتين) هي قوانين للمصلحة العامة، والالتزام بها واجب شرعي ما دامت لا تمنع حلالاً أو تأمر بحرام. والعمل "الحر" (Freelancing) يختلف شرعًا وقانونًا عن الوظيفة الثابتة.

 

وليس عليكِ شرعًا إبلاغ "الجامعة" بمقدار ما تربحين من فيسبوك أو التدريب، فذمتكِ المالية مستقلة، والمطالبة الضريبية تتعلق بكِ كفرد وليس كعضو هيئة تدريس.

 

نصائح عملية:

 

إخلاص النية: اجعلي عملكِ في تدريب الذكاء الاصطناعي على اللغة العربية نيةً لخدمة اللغة وهويتنا، فبذلك ينقلب العمل من "كسب مادي" إلى "أجر وثواب".

 

الوضوح مع النفس: إذا شعرتِ أن صناعة المحتوى بدأت تأخذ من وقت تحضير محاضراتكِ أو جودة أبحاثكِ، فهنا يدخل "شبهة الحرام" في راتب الجامعة، فعليكِ التوازن.

 

إن شاء الله تعالى عملكِ حلال وجائز، والجمع بينه وبين الجامعة لا بأس به شرعًا ما دام في وقتكِ الخاص.

 

أما مسألة الضرائب فهي مسألة قانونية بحتة، يمكنك مناقشتها مع مختص قانوني. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

نظام التعاقدات في قوانين العمل مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية