عاد من العُمرة كما ذهب.. كيف يستعيد قلبه؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-EG" style="font-size:18.0pt;mso-bidi-language:AR-EG">أنا مهندس، متزوج، وسني 36. منَّ الله عليَّ بعمرة في رمضان الماضي، ولم تكن عمرتي الأولى، فقد اعتمرت عدة مرات قبلها. ولكني أثناء العمرة الأخيرة هذه لم أشعر بأي روحانيات فيها، وكان قلبي جامدًا أؤدي المناسك بطريقة آلية، وكذلك الصلوات والتهجد. ولم أشعر بما كنت أشعر به في العمرات السابقة من خشوع ولين قلب وإقبال على الطاعة رغم محاولاتي لتكلف ذلك واستحضاره. حتى الدعاء لم أكن أدعو بحرارة وإلحاح، بل أدعية باردة سريعة. وعدت من العمرة إلى بلدي كأني لم أذهب! وأشعر بكثير من الكآبة والحزن لهذا الأمر.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-EG" style="font-size:18.0pt;mso-bidi-language:AR-EG">ما السبب في هذا؟ <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-EG" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-EG">وكيف أتخلص من تلك الحالة وأحيي قلبي من جديد؟</span>

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يجدد الإيمان في قلبك، وأن يرزقك لذة الطاعة وحلاوة المناجاة، وأن يتقبل عمرتك وسائر عملك، وبعد...

 

فإن ما تشعر به من ضيق وكآبة بسبب جمود القلب هو في حد ذاته علامة خير وبرهان على أن جذوة الإيمان لا تزال متقدة في أعماقك؛ فالميت لا يتألم، والقلب القاسي لا يحزن لغياب الخشوع عنه.

 

واعلم يا أخي أن الإيمان ليس خطًّا مستقيمًا صاعدًا دومًا؛ بل هو كالبحر في جزر ومد، وكالقمر في زيادة ونقصان.

 

لماذا غاب الخشوع؟

 

إن تشخيص الداء هو نصف الدواء، وما مررت به قد يعود لأسباب عدة، منها:

 

1- اعتياد النعمة:

 

ذكرت أنها لم تكن عمرتك الأولى، لذا قد تكون وقعت في فخ «التعوُّد». فالعين إذا اعتادت المشهد فقد القلب دهشته، وانسحب حضوره، فيصبح الطواف مجرد دوران حول بناء، والسعي مجرد مشي بين جبلين، ويتحول النسك لديك إلى مجرد عادة بدلًا من كونه عبادة؛ لذا نحتاج إلى تجديد الإيمان دائمًا في قلوبنا، لتنشيطها للعبادة والإقبال عليها.

 

يقول النبي ﷺ: «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ، فاسأَلُوا اللهَ -تعالى- أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكم» [رواه الطبراني]. و«يَخْلَق» أي: يبلى. فكما يبلى الثوب بكثرة الاستعمال، يحتاج الإيمان إلى تجديد نية واستحضار مستمر لعظمة الموقف.

 

2- الغفلة وضغوط الحياة:

 

ربما -بسبب مهنتك وأسلوب معيشتك- تعيش حياة مليئة بالتخطيط والحسابات الذهنية المعقدة، وهذا قد يجعل العقل تقنيًّا بامتياز، فينتقل هذا النمط العقلي إلى العبادة فتؤديها بآلية.

 

إن انشغال الفكر بتفاصيل الدنيا يراكم نوعًا من الران على القلب، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].

 

3- فتور ما بعد الجهد:

 

أحيانًا يكون العبد مجهدًا نفسيًّا أو جسديًّا، فيدخل في مرحلة الفتور. وقد قال ﷺ: «لِكلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولِكلِّ شرَّةٍ فَترةٌ، فمَن كانت فترتُهُ إلى سنَّتي فقد أفلحَ» [رواه ابن حبان]. فالفترة (الخمول) أمر طبيعي، والمهم ألا تخرجك هذه الفترة عن حدود الشريعة.

 

كيف تحيي قلبك من جديد؟

 

أخي الكريم، القلب كالزرع، إذا أصابه الجفاف احتاج إلى سقي متواصل، لا دفعة واحدة. وإليك هذه الخطوات:

 

1- التوبة والاستغفار:

 

إن الذنوب -وخصوصًا ذنوب الخلوات- أو كبائر القلوب كالكبر والعُجب، هي أغلال تمنع القلب من التحليق. فابدأ بجلسة محاسبة مع النفس، وتذكر ذنوبك وتقصيرك، واستغفر الله منها بنية تطهير قلبك وتجديد إيمانك.

 

كان أحد السلف يقول: «حُرمت قيام الليل ستة أشهر بسب ذنب أذنبته». فابحث في ثنايا حياتك عن شيء قد يكون حجب عنك التوفيق.

 

2- الكيف قبل الكم:

 

في الفرائض، ركِّز على استحضار الخشوع فيها، والتأنِّي، والإحسان، فضلًا عن إتيانها في أوقاتها، والمسارعة إليها. وفي النوافل بدلًا من التركيز على عدد الختمات أو عدد الركعات، ركِّز على التدبر فيما تقرأ، والاستكانة بين يدي الله والافتقار إليه سبحانه.

 

لقد قام النبي ﷺ ليلة بآية واحدة يرددها حتى أصبح، وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [رواه ابن ماجة]. فجرِّب أن تقف عند آية تلمس حالك، ورددها بقلبك لا بلسانك فقط.

 

3- دعاء المضطر:

 

قلتَ إن دعاءك كان باردًا، ربما لأنك كنت تردد أدعية محفوظة دون تفكر في معانيها، ودون عزم في المسألة، والحل هو أن تدعو الله بحالك وبما تشعر، وبما يخرج منك من كلمات دون تكلف ولا تنميق، تشكو نفسك إلى الله، وتلجأ إليه بدعاء المضطر المفتقر إليه، وتطلب منه أن يحيي قلبك، وأن يزيد إيمانك، وأن يزينه في قلبك. وأكثر من الدعاء النبوي العظيم: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [رواه الترمذي].

 

4- الخبيئة الصالحة:

 

اجعل بينك وبين الله عملًا لا يعلمه إلا هو (صدقة خفية، مساعدة محتاج، كفالة يتيم). فهذه الخبايا هي التي تسقي جذور الإيمان في القلوب القاحلة، فتحييها، فتنبت وتثمر.

 

5- صحبة الأخيار:

 

احرص على الصحبة الصالحة، فإن الله -عز وجل- يقول: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].

 

إن الإيمان يُعدي، والخشوع يُقتبس. فابحث عن مجالس العلم والذكر التي يُذكر فيها الله بصدق، فـ«هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ» [متفق عليه].

 

وختامًا أخي العزيز، لا تستسلم لليأس ولا تجعل الكآبة تقعدك عن العمل؛ فالشيطان يريد أن يقنطك من رحمة الله ويوهمك بأن عمرتك لم تُقبل. إن حزنك على ضياع الخشوع هو في ذاته عبادة وانكسار للقلب بين يدي الله. إن الباب لا يزال مفتوحًا، والرب رحيم ودود.

 

وإياك أن تنتظر الشعور بالخشوع حتى تعمل، بل اعمل وسيأتي الخشوع تبعًا. حافظ على الفرائض، وأكثر من النوافل، واستمر في طرق الباب، فمن أدمن طرق الباب يوشك أن يُفتح له.

 

أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يحيي قلبك بذكره، وأن يذيقك برد عفوه ولذة طاعته، وأن يجعل مستقبلك خيرًا من ماضيك، وأن يصرف عنك الهم والحزن والكسل. اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

كيف أتخلص من وساوس ما بعد العُمرة؟

هل عدم البكاء عند رؤية الكعبة ضعف إيمان وقسوة قلب؟

بعد العمرة لم أستطع الثبات.. فماذا أفعل؟