<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">أنا امرأة مسلمة أتابع ما يجري من حروب وقصف في المنطقة. وعندما أرى صور القصف على إسرائيل أو على الطرف الآخر، أشعر بالحزن على حال الشعوب والناس العاديين الذين يعيشون الخوف وتُهدم بيوتهم ويعاني الأطفال والنساء، فأقول أحيانًا: يا إلهي كم هو مؤلم ما يحدث للناس. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">لكن حدث موقف أزعجني كثيرًا؛ فقد سمعتني إحدى الأخوات وأنا أعبّر عن حزني، فغضبت مني بشدة، واعتبرت أن هذا تعاطف مع أعداء المسلمين، وقالت إن هؤلاء مجرمون آذوا إخواننا في غزة وسورية، واتهمتني بالنفاق، بل وقالت لي: اخرجي من بيتي إذا كنت تتعاطفين معهم. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">أنا الآن أشعر بالحيرة والحزن والإهانة من هذا الموقف، وأتساءل: هل أنا آثمة أو مخطئة عندما أحزن على معاناة البشر عمومًا حتى لو كانوا من الطرف الآخر؟ <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">هل هذا يُعد تعاطفًا مع الظالمين أو تبريرًا لجرائمهم؟ أم أن موقف الأخت فيه مبالغة وقسوة في الحكم عليّ؟ <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: "Simplified Arabic", serif; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">أرجو توضيح الحكم الشرعي والتوجيه الصحيح في مثل هذه المشاعر والمواقف، حتى يكون موقفي منضبطًا بالشرع ولا أقع في الخطأ</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size: 18pt; font-family: "Simplified Arabic", serif; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span>
مرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي
القدير أن يربط على قلبك، وأن يجزيك خيرًا على رقة قلبك وعلى حرصك على تحري
الصواب، وأن يبصرنا وإياك بالحق ويرزقنا الثبات عليه، وبعد...
فإن المشاعر الإنسانية هي مرآة الروح، والقلب الحي هو الذي يتفاعل
مع آلام الخلق، أيًّا كانوا. وما تجدينه في نفسك من ضيق وتأثر عند رؤية مشاهد
المعاناة الإنسانية ليس بالضرورة خللًا في الولاء والبراء، بل قد يكون دليلًا على
نقاء الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ودعينا نحاول تفكيك هذا الموقف من منظور
شرعي وإنساني متزن، يجمع بين مقتضيات العقيدة وبين رحمة الإسلام الشاملة.
الرحمة بالبشر فطرة إنسانية ومطلب شرعي
اعلمي -رحمك الله- أن الرحمة في الإسلام لا تقتصر على المسلمين
فحسب، بل هي رحمة عامة تشمل الإنسان والحيوان والجماد. يقول الله -تعالى- في وصف
رسالة نبيِّه ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:
107]. والعالمون تشمل كل ما سوى الله، مؤمنهم وكافرهم.
إن حزنك على رؤية طفل خائف أو امرأة هُدم بيتها، بغض النظر عن
هويتهم، هو نابع من الرحمة الجبلّية التي أودعها الله في القلوب. وفي الحديث
الشريف يقول النبي ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ
فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [رواه الترمذي]. وقوله «مَنْ فِي
الأَرْضِ» صيغة عموم تشمل كل ذي كبد رطبة.
وقد ضرب لنا النبي ﷺ أروع الأمثلة في ذلك؛ فعن سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ
وقَيْسِ بنِ سَعْدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ مَرَّتْ به جِنَازَةٌ فَقَامَ، فقيلَ له:
إنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» [متفق عليه]. فهذا
الموقف النبوي يرسخ مبدأ احترام النفس الإنسانية والتأثر بمصيرها، وهو أصل عظيم في
التفريق بين «العداء العقدي والسياسي» وبين «المشاعر الإنسانية المجردة».
هل هذا يُعد تعاطفًا مع الظالمين؟
يجب هنا التفريق الدقيق بين أمرين لا يصح الخلط بينهما:
1- التعاطف مع مبدئهم وظلمهم: وهو المحرم، بأن يحب المسلم انتصار
الظالمين، أو يبرر إجرامهم، أو يتمنى بقاء عُلُوِّهم في الأرض. وهذا قطعًا ليس ما
تشعرين به.
2- التألم للمآسي الإنسانية: وهو حزن على الحال لا الموقف السياسي.
فالمسلم الذي يرى القصف والدمار يحزن؛ لأن النفس الإنسانية أصبحت رخيصة، ولأن
الأطفال -وهم أبرياء بالفطرة- يدفعون ثمن صراعات الكبار.
إن حزنك على هدم البيوت وترويع المدنيين من أي طرف كان، لا يعني
أنك تؤيدين أفعالهم ضد إخواننا في غزة أو سورية؛ بل هو حزن على المصاب الإنساني
العام. فالإسلام دين عدل، وقد نهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ حتى في قلب
المعركة، مما يدل على أن هؤلاء لهم حُرمة في شريعتنا تمنعنا الفرح بمصابهم الشخصي،
وإن كنا في حالة حرب مع كيانهم.
موقف الأخت وتهمة النفاق
أما بخصوص ما حدث من الأخت التي اتهمتك بالنفاق وطردتك، فلا شك في
أن موقفها فيه قسوة ومبالغة شديدة وجفاء يتنافى مع أدب النصيحة. فالأصل في المؤمن
أن يحمل كلام أخيه وتصرفه على أحسن المحامل.
كما أن رمي المسلم بالنفاق أمر عظيم عند الله، والنبي ﷺ حذّر من ذلك بشدة.
فإخراجك من بيتها لمجرد كلمة تعبر عن رحمة قلبك، هو تصرف يتسم بضيق الأفق وعدم فهم
مقاصد الشريعة في التفريق بين المواطنة العالمية الإنسانية وبين الولاء العقدي.
قد يكون دافع الأخت هو الغيرة الشديدة على دماء المسلمين، وهو شعور
محمود في أصله؛ لكنه انحرف بها نحو الغلو في الحكم وسوء الظن. فالقلب الذي يتألم
لغزة وسورية (كما ذكرتِ) لا يتناقض مع القلب الذي يكره رؤية الدمار أينما كان.
التوجيه الصحيح لمواقفك مستقبلًا
لكي يكون موقفك منضبطًا بالشرع وبعيدًا عن اللَّبس، تذكري دائمًا:
1- الأولوية في الولاء: من الطبيعي والشرعي أن يكون حزنك على
إخوانك المسلمين أشد، وألمك لمصابهم أعظم؛ لأنهم يجمعك بهم رابط العقيدة
والمظلومية الواضحة. قال ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ
وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ
تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم].
2- العدل في القول: لا يمنعك بغض الظالمين من العدل، أو الشعور بالأسف على حال
البشرية الضائعة. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا
ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
3- الحكمة في التعبير: في أوقات الصراعات المحتدمة، قد تُفهَم كلمات الرحمة العامة
بشكل خاطئ. لذا، حاولي أن توضحي دائمًا أن حزنك هو على «الإنسان» وليس تأييدًا
للظالم، مع التأكيد على دعمك الكامل لحقوق المظلومين من المسلمين.
وختامًا أختي الكريمة، لا تشعري بالإهانة، ولا تحزني من قولها،
فقلبك الرقيق الذي يتأثر لآلام البشر هو نعمة من الله، فلا تتركي غلظة الآخرين
تطفئ نور الرحمة فيك. أنت لست آثمة بحزنك الفطري، ما دمت تنكرين الظلم وتوالين
المؤمنين.
استمري في دعائك بأن يرفع الله البلاء عن المظلومين في كل مكان،
وأن يهدي البشرية إلى الحق. وإذا سنحت الفرصة، حاولي التواصل مع الأخت بهدوء
لتوضحي لها وجهة نظرك بأسلوب شرعي، لعل الله يشرح صدرها ويزيل ما في قلبها من
غلظة.
أسأل الله أن يهدينا جميعًا لما فيه رضاه وتوفيقه.
روابط
ذات صلة: