سنة أو قانون التدافع الحضاري هل فعلا توجد قوانين تحكم أو نفهم من خلالها حركة التاريخ أم تلك أوهام لا يمكن البناء عليها؟
أخي الكريم، يظن البعض أن حركة التاريخ غير محكومة
بقوانين لها صرامتها ونفاذها على الأمم والشعوب، وهذا الظن غير صحيح، فحركة
التاريخ لها قوانينها الماضية والتي لا تحابي أحدًا، وهي قوانين تناولها القرآن
الكريم في مواضع كثيرة عند حديثه عن الأمم التي تعرضت للإهلاك، وقد سمّاها القرآن
"سنن" ومنها "قانون التدافع".
يقول تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (آل عمران: 137)، يقول الشيخ "رشيد رضا" في تفسير الآية: "إن إرشاد
الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم
لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن
يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه.. والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها".
وهو قول أضاف إليه الشيخ "محمد عبده" أن "السير
في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم هو الذي يوصل إلى معرفة تلك
السنن والاعتبار بها كما ينبغي.. والسير في الأرض يدل الإنسان على تلك السنن، ولكن
المؤمن المتقي أجدر بفهمها لأن كتابه أرشده إليها وأجدر كذلك بالاهتداء والاتعاظ
به".
قانون التدافع
قانون التدافع مستمد من قوله تعالى: {وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ
اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة: 251)، تشير الآية الكريمة إلى
أن هذا القانون مما تفضل الله تعالى به على الناس، فهو قانون يخدم الإنسانية على
مر الأزمان وفي مختلف المجتمعات؛ فالتدافع أي المواجهة بين الصلاح والخير وبين الفساد
والشر، وبين أهل الحق وأهل الباطل، لتصير بينهم مواجهة ومعارك وصراع بمختلف درجاته
حتى لا يغلب أهل الفساد على الأرض فيفرضوا قيمهم على البشرية، هو قانون وسنة دائمة
لا تنتهي ولا تنقضي ولا تبطل.
وهنا يأتي التدافع ليضع للشر والباطل حدودًا ويقلم
أظافره ويضعف قوته وسطوته، يقول "الطاهر بن عاشور" في تفسيره
"التحرير والتنوير" عن هذا الفساد: "ومعنى فساد الأرض إما فساد
الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع بالناس، أي لفسد أهل الأرض، وإما فساد
جميع ما يقبل الفساد".
والدفع في اللغة هو الإزالة بقوة، ومن معانيه -أيضًا-
الإبعاد، والرد بقوة.
أما القانون فيمكن تلخيصه بأن الله تعالى أوجد أسبابًا
للتدافع بين البشر، سواء أكانت أممًا أو شعوبًا أو حضارات، وهذا التدافع أو
المواجهة من الأسباب التي تقلص الفساد والإفساد، وهو من أسباب يقظة الأمم والشعوب
دفاعًا عن حقوقها التي يريد الآخرون سلبها وإهدارها.
ومفهوم التدافع في المفهوم القرآني يختلف عن مفهوم
الصراع الذي تحدث عنه المفكر الأمريكي "صمويل هنتجتون" في كتابه
"صدام الحضارات"؛ فالتدافع وفق المفهوم القرآني يعني الدفع والإزاحة
والإبعاد ولا يعني التناحر والتكالب والإفناء.
ومن معاني التدافع القرآنية هو الرد بالحجة المقنعة
والقوية، وهو ما يعني أنه مفهوم متسع ولا يقتصر على معنى واحد أو آلية واحدة من
آلية المواجهة والصراع، ولكنه يبدأ من الكلمة والحجة المقنعة انتهاءّ إلى حالة
المواجهة الحربية، وهذه الحالة الحربية لا تعني إفناء الآخر، ولكن غايتها ضبط
الأمور وعدم إتاحة الفرصة للفساد أن يفرض منطقه وسطوته على الناس.
ومن ثم فالتدافع يحمل معنى الصراع، ويحمل أيضًا معنى
الحوار، وبالتالي له مستويات دنيا يقوم الحوار بإنجازها، ليتدرج الأمر إلى استعمال
القوة الخشنة والعنيفة ضد الفساد.
وقانون التدافع الحضاري يؤسس لرؤية أخلاقية في العلاقات الدولية، وفي العلاقات بين الأمم والشعوب،
وهذه الرؤية الأخلاقية منضبطة بأوامر الشرع وتعاليم القرآن الكريم، حتى لا تصل
الأحوال بالناس فيما بينهم إلى حالة الإفساد والطغيان، فتضيع مصالح الناس وغاياتهم
وقيمهم، والتدافع محكوم بمبدأين كبيرين، أولهما: منع الفساد، وثانيهما الإحسان.
موضوعات ذات صلة:
مفهوم السنن في الرؤية الإسلامية
ماذا نقصد بالنموذج المعرفي وما أهميته الفكرية؟
كيف تؤثر العدوى في انتشار الأخلاق؟