هل يمكن الاستفادة من أدوات العلاج النفسي دون التسليم بالإطار الفلسفي الذي نشأت فيه؟
أخي الكريم، من المفيد التذكير بأن العقل المسلم منفتح على التطور
والمنجز الحضاري والعلمي العالمي بصورة عامة، ولا يصده عن ذلك شيء إلا أن يصطدم
بمقاصد الدين وأحكامه، ففي الحديث "اطلبوا العلم ولو كان في الصين" (قال
علماء الحديث إن متنه مشهور، لكن أسانيده ضعيفة)، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما
الذي سيطلبه العقل المسلم من العلم في الصين إلا العلم النافع والحضاري وليس العلم
الشرعي.
ومن هنا فالعقل المسلم منفتح على العلوم، ومن المفترض أن يملك قدرًا من
الوعي والنضج لتمييز ما يرغب في اقتباسه وما يجب أن يتجنبه.
أما بخصوص تساؤلكم عن إمكانية الاستفادة من أدوات العلاج النفسي، دون
الأخذ بالإطار الفلسفي الذي نشأ فيه هذا العلم؟
فالإجابة المبدئية نعم يمكن تحقيق استفادة من علم النفس وأدواته في العلاج والتحليل
النفسي دون الالتزام بإطاره الفلسفي الذي نشأ فيه؛ لأن ذلك الإطار مادي علماني،
ينكر وجود الله تعالى، وكما أشرنا في استشارة سابقة إلى استطلاعين للرأي أجريا في
الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وكشفا أن علماء النفس هم الأكثر إلحادًا وإنكارًا لوجود
الله مقارنة بغيرهم من العلماء.
نموذج "مالك بدري"
يمكن أن نشير هناك إلى نموذج البروفيسور السوداني الراحل "مالك
بدري" المتوفى (2021م) وكان من كباء علماء النفس في العالم الإسلامي، وقد
استطاع أن يطور منهجًا إسلاميًّا، استفاد من علم النفس الغربي كأساليب وأدوات، دون
الخضوع للإطار الفلسفي الذي انبثق منه، ولكن جعل مرجعيته وإطاره الفلسفي من
الإسلام.
وقد رفض "بدري" ابتداءً هيمنة أطروحات "فرويد"
ومدرسته على علم النفس، ورفض نهج عالم النفس الروسي "إيفان بافلوف" صاحب
نظرية الاستجابة الشرطية، وهي نظرية قائمة على الاستجابة الناتجة عن مثير معين،
وكانت تجربتها الشهيرة اقتران الجرس بسيلان لعاب الكل نظرًا لتوقعه الحصول على
الطعام.
فانتقد "بدري" هذه النظرية وبعض
أساليب علاجها السلوكي، وحسب تعبيره فهذا النهج حول المرضى إلى ما أسماه "كلاب بافلوف"،
وكأن استجابة الإنسان آلية بلا تفكير؛ ولذا رفض "بدري" الإطار الفلسفي لتلك
النظرية، وطرح نهجًا أقرب إلى روح
الإنسان وحقيقة الإسلام في علم النفس من خلال الإصغاء
للمريض ومحاورته، أي من خلال العلاج المعرفي، حتى إن "المجلة الأمريكية لعلم
النفس"
وهي من أكبر المجلات المتخصصة في علم النفس في العالم، وصفت
"بدري" بالرائد في هذا المجال لأن نهجه المعرفي في
علاج النفس كان نهجًا ذا نتائج إيجابية.
ومن ثم أحدث "بدري" نقلة في
أساليب العلاج السلوكي إلى الجانب المعرفي، فهو لم يستسلم للأطر الفلسفية المادية
التي نشأ فيها علم النفس، ولكنه استفاد من بعض أساليبها وأدواتها، لكن من خلال
إطار فلسفي ونموذج معرفي آخر غير النموذج المعرفي المادي العلماني.
ونقصد بالنموذج المعرفي هو الإطار الفكري
للعقل لفهم وتفسير العالم، ويتضمن المعتقدات، القيم، والمعارف التي تشكل تصوراتنا
المختلفة.
ونجد في تجربة "مالك بدري"
أنه استدعى
التراث الإسلامي في علاج النفس، وهذا التراث ذو مرجعية توحيدية إيمانية
إنسانية، ونبّه أن للمسلمين سبقًا في العلاجات السلوكية القائمة على الإيمان، وذو
تاريخ عريق في فهم النفس وعلاجها معرفيًّا وسلوكيًّا.
والأهم فيما أنجزه "مالك
بدري" هو تأكيده أن علم النفس مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبيئة
الثقافية والفكرية، أي أن فهم النفس وعلاجها مرتبط بالنموذج المعرفي لعلم النفس
وعلمائه.
موضوعات ذات صلة:
الإباحية اضطراب سلوكي أم انحراف أخلاقي؟