كيف يُعيد المبتلَى بتشوُّه الجسد اكتشاف ذاته؟

<p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">السلام عليكم سبق وأن تقدمت باستشارات سابقة في بيان حالي من الانهيار النفسي والعصبي وتلقيت من فضيلتكم أجوبة لما تمعنت فيها وجدتها تطابق عين الواقع بالدليلين النقلي والعقلي فبارك الله فيكم على ما تقدمونه</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span> .<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">حقيقة منذ ولادتي وحتى قبل سن التكليف أصلا وأنا في معاناة كبيرة مع عدم الطعن في عدل الله وحكمته ولا جحود أفضاله ونعمه، في خضم مسيرتي الحياتية وإلى غاية انقضاء اثنتين وأربعين سنة من عمري وصلت إلى حواف اليأس التام من هذه الحياة إن لم أقل أن اليأس واقع فرض علي ومع ذلك فإني لست قانطا من رحمة الله بأن يتجاوز عني ويرحمني في البرزخ وما وراءه بدار القرار.</span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">وحتى لا أطيل على فضيلتكم فإن السبب الرئيسي هو فشلي في التعامل مع قدر الله الحكيم الرحيم بأنه كتب علي الحياة بتشوه جسدي وهو ليس تشوه إعاقة إنما تشوه منظر متمثل في تضخم الرأس</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span> (Macrocephaly) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">مع أربعة أطراف بقيت شبه طفولية هزيلة والله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل ولا يظلم أحدا مثقال ذرة فما دونها</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">المهم لا علينا من حسرات الحياة الفانية مهما طالت إلا أن ما يؤرقني ويرعبني بالفعل هو أنني تحت وقع ما ابتليت به أصبحت بعقد نقص ونوبات اكتئاب حاد مستمرة ملازمة لا تنفك عني سوى هنيهات من الزمن لتعود بعدها أكثر فتكا ووحشية وقد أثرت علي في برود علاقتي مع والدي الاثنين وقد كبرا في السن مع أنني لا أكرههما إلا أن الحسرة في نفسي هي عدم القدرة على برهما والإحسان إليهما كما ينبغي مضافا إلى ذلك قطعي لجل أرحامي وكرهي لنفسي وعدم إطاقة السواد الأعظم من الناس والهروب إلى التصورات الخيالية التي على الأغلب أورثتني ثنائي القطب إضافة إلى معاناتي الأساسية من الاكتئاب الحاد والرهاب الاجتماعي الفظيع.</span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">أما موضوع الإقدام على رؤية شرعية قصد الزواج فقد قمت بمحو ذلك من برنامجي بسبب مظهري. <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">خلل عضوي مع سموم نفسية وعصبية قاتلة والأخطر من ذلك فشلي في الصبر على أقدار الله المؤلمة مع برود تجاه والدي وقطع للأرحام متوعَّد فاعله بالعقوبة الدنيوية مع ما يُدخر له في الآخرة ولا أدري أين أذهب بنفسي؟ <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">مع أنني أريد الصبر وبر والدي وصلة أرحامي!!! إلا أنني فشلت في التطبيق ومستبعد للتوفيق في ذلك لا قدحا في عدل الله وحكمته إنما لعلة وخلل متعلق بي</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span> .<o:p></o:p></span></p><p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">ليت ربي يتجاوز عني ويرحمني على ما كان مني من تقصيرات فإني مؤمن بوجوده وموحد له في أقسام التوحيد الثلاثة ومؤمن بأركان الإيمان الستة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span></p>

مرحبًا بك أخي الحبيب مجددًا في رحاب موقعنا، وكم يسعدنا ويشرفنا تواصلك معنا. إن ثقتك المتجددة بنا وتكرار مراسلتك لنا وسام نعتز به. أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يفرِّج همَّك، وأن يجعل ما أصابك رفعةً لدرجاتك وكفارةً لسيئاتك، وأن يقرَّ عينك برضاه وبرؤية ثمار صبرك في الدنيا والآخرة، وبعد...

 

أنت مصطفى مختار

 

إن أول ما يجب أن يستقر في روعك يا أخي، هو أن هذا الابتلاء ليس علامة سخط، بل هو دليل اصطفاء ومحبة. فالله -سبحانه وتعالى- لا يبتلي إلا من يطيق هذا الابتلاء، ولا يختبر إلا مَن أعدَّ له مقامًا عاليًّا في الجنة لا يبلغه إلا بالصبر. يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].

 

فأنت الآن في اختبار إلهي كبير، والجزاء ليس مجرد نعم دنيوية فانية، بل هو الأوفى بإذن الله ووعده. عن النبي ﷺ قال: «عِظَمُ الجَزاءِ مَعَ عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهُم» [رواه الترمذي]. فكيف بوجعٍ يلازمك طيلة 42 سنة؟ إن ذنوبك تتساقط كما يتساقط ورق الشجر، لتلقى الله بقلبٍ نقيٍّ أبيض.

 

نعمة العقل واللسان

 

لقد استوقفني بشدة في سؤالك أسلوبك اللغوي البديع؛ فكلماتك تدل على ثقافة واسعة وذكاء متوقد. أنت يا أخي تمتلك موهبة الكتابة والبيان، وهي نعمة حُرم منها كثير من الأصحاء جسديًّا.

 

يا أخي، احمد الله -عز وجل- على أن ابتلاءك جاء في الجسد وليس في العقل. إن رأسك المتضخم الذي يؤلمك نفسيًّا، هو ذاته الذي تصدر عنه هذه الكلمات الرصينة والتحليل العميق. تأمل في قول الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 4]. لقد ميزك الله بلسانٍ وقلمٍ سيال، وهذا باب عظيم لنفع الناس ونفع نفسك. استشعر نعمة أنك لم تبتلَ في عقلك أو في أي من حواسك، فأنت تعي وتدرك وتبدع، وهذه أعظم مقومات الإنسان.

 

نحو الانفتاح والبر

 

الاكتئاب والرهاب الاجتماعي والعزلة هي سجون وهمية بناها عقلك لحماية نفسك من الألم، ولكنها أصبحت هي الألم ذاته.

 

فبالنسبة لعلاقتك بوالديك، أنت تظن أنك مقصر؛ لكن شعورك بالألم تجاه هذا التقصير هو في حد ذاته بِرٌّ بهما. الوالدان في كبرهما يحتاجان منك إلى مجرد ابتسامة أو كلمة طيبة، أو حتى جلوس صامت بجانبهما. يقول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24]. فكن رقيقًا معهما بقدر ما تستطيع.

 

أما بالنسبة لصلة الأرحام، فلا تشترط المقابلة المباشرة في البداية. استثمر براعتك الكتابية في إرسال رسائل ودية لأقاربك، فهذا يكسر الجليد ويخفف من حدة العزلة.

 

معاقون جسديًّا عظماء معنويًّا

 

ودعني أهمس لك يا أخي، وألفت نظرك لأمر مهم جدًّا أراك تغفله، وهو أن الإعاقات -أو التشوهات- لم تكن يومًا مانعًا من النجاح في هذه الدنيا، وتحقيق الذات. وإليك أمثلة حية قديمة وحديثة، لأناس كانوا ملء السمع والبصر رغم شدة ابتلاءاتهم:

 

- عطاء بن أبي رباح: التابعي الجليل، والفقيه العالم، مفتي الحرم ومحدِّث الدنيا، كان أسود، أفطس الأنف، أشل اليد، أعرج، ثم عمي في آخر عمره.

 

- الأحنف بن قيس: التابعي الجليل، سيد تميم بذكائه وحلمه، حتى قيل: «إذا غضب الأحنف غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب». من العقلاء الفصحاء الدهاة الشجعان الفاتحين، كان قصير القامة، ملتصق الفخذين، أصلع، أعرج، أعور، متراكم الأسنان، مائل الذقن، صغير الرأس، بارز الوجه، منخفس العينين.

 

- عبد الحميد كشك: الداعية المصري البارز الذي فقَدَ بصره صغيرًا؛ لكنه صار «فارس المنابر» وصوته دوَّى في كل بيت مسلم.

 

- عبد الله بانعمة: الداعية السعودي الكبير، عاش مشلولًا شللًا رباعيًّا لا يحرك إلا رأسه، ومع ذلك جال العالم بدعوته وأثَّر في الملايين بابتسامته وثباته. وغيرهم كثيرون لا يتسع المجال لذكرهم.

 

إعادة اكتشاف النفس

 

أخي الحبيب، خلاصة ما أنصحك به ثلاث:

 

1- استثمر قلمك: لغتك قوية وجذابة، فابدأ بكتابة الخواطر والمقالات، عن تجربتك وعن عالمك وعن الحياة عمومًا وما تحسن الحديث فيه، وحاول نشرها، لتكون دافعًا لك ومنارة لغيرك، واعمل على زيادة قراءاتك وثقافاتك لتغذي تلك الكتابات وتحسِّنها. ومَن يدري ربما صرتَ بعد وقت قصير أحد الأدباء المشهورين.

 

2- العلاج المتخصص: لا حرج في زيارة طبيب نفسي مختص لتنظيم المزاج (خاصة ما ذكرته عن ثنائي القطب)، فالمرض النفسي خلل كيميائي يحتاج علاجًا كأي مرض جسدي.

 

3- التفاؤل والإقبال: عش حياتك متفائلًا، ولا تحرم نفسك من رؤية الجمال في الكون. الزواج والرزق بيد الله، وما تراه مستحيلًا هو على الله هين، وقد يكون واقعًا غدًا.

 

وختامًا أخي الغالي، اعلم يقينًا أن الله لا ينظر إلى صورنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا. أنت رجل مؤمن، موحِّد، صابر، وهذا نجاح باهر. إن الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، وما هي إلا غمضة عين ونلقى الله في دار لا نصب فيها ولا صخب ولا تعب.

 

اللهم يا جابر المنكسرين، ويا أنيس المستوحشين، اجبر كسر قلب عبدك، وأبدل ضيقه انشراحًا، ويأسه رجاءً. اللهم ارزقه الرضا بالقضاء، وبرد العيش بعد الموت. اللهم بارك له في موهبته، واجعل قلمه منبرًا للخير، وحبِّب فيه خلقك، واجمع له بين أجر الدنيا وثواب الآخرة. اللهم آمين.

 

تابعنا يا أخي بأخبارك، وأدم تواصلك معنا لنطمئن عليك.

 

روابط ذات صلة:

مشوه جسديًّا ومحطم معنويًّا.. الخلاص في «عينك»

قبح شكلي حطمني وعزلني.. اكتشف جمالك الداخلي