انتشرت بعض الادعاءات المغرضة بأن السيدة عائشة رضي الله عنها “ولولت ولطمت وجهها عند وفاة الرسول ﷺ”. وقد ورد في بعض الروايات المنسوبة لها قولها: "مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحدًا، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله ﷺ قُبض وهو في حجري، ثم وضعتُ رأسه على وسادة وقمتُ أندب مع النساء وأضرب وجهي" فما المقصود بعبارة "من سفهي وحداثة سني"؟ وهل صحيح ما يُنسب إليها من ولول أو ضرب وجه مبالغ فيه عند وفاة النبي ﷺ؟ وكيف يُنظر إلى هذا من الناحية الشرعية؟
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فعائشة –رضي الله عنها– على الرغم من رجحان عقلها
وسلامة إيمانها وعقيدتها هي امرأة على أية حال، ووفاة النبي ﷺ كانت فاجعة هزت
المسلمين جميعًا وأصابتهم بالفزع والجزع، حتى أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه –
وهو رجل من أكثر الصحابة رجحانا للعقل وقوة للبأس انهار في هذا الموقف حتى أنكر
وفاة النبي ﷺ ولم يثبته إلا أبو بكر –رضي الله عنه-.
ففعل عائشة يعبر عن بشريتها وقد تابت رضي الله عنها
واعتذرت عن هذا الفعل بسبب حداثة سنها، وقد فعلت أسماء بن عميس مثلما فعلت عائشة
عندما علمت باستشهاد جعفر ولم ينكر النبي ﷺ عليها وتركهم ثلاثة أيام ثم نهاهم بعد
ذلك، وهذا لا يفهم منه جواز لطم الخدود وشق الجيوب، ولكن يفهم منه العذر عند
اشتداد المصيبة، وأن الله غفور رحيم.
أما قولها توفي النبي ﷺ بين نحري وسحري فتقصد أنه
مات على صدرها حبًّا لها وتكريمًا، وهي ندمت على أنها وضعته على وسادة ثم فعلت ما
يفعل العوام من النساء.
وقد حاول غلاة الشيعة وصف عائشة بالسفه وحداثة
السن، وأخذوا من هذا الحديث جواز لطم الخدود الذي يفعلونه في لطمياتهم، وهذا
استدلال سقيم وحجة واهية فكيف يصفون عائشة بالسفه ثم يفعلون ما يفعل السفهاء.
والأحكام الشرعية تؤخذ من القرآن الكريم والسنة
المطهرة وليس من أفعال آحاد الصحابة وخاصة إذا تابوا عن الفعل ورجعوا عنه.
عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه،
دخل عليّ رسول الله ﷺ، وقد دبغت أربعين منيا (جلدًا)، وعجنت عجيني، وغسلت بني
ودهنتهم ونظفتهم، قالت: فقال رسول الله ﷺ: "ائتني ببني جعفر". فأتيته
بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك، أبلغك عن
جعفر وأصحابه شيء؟ قال: "نعم، أصيبوا هذا اليوم". قالت: فقمت أصيح،
واجتمع إليّ النساء، وخرج رسول الله ﷺ إلى
أهله فقال: "لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر
صاحبهم".
ويبدو أن جعفر رضي الله عنه لم يترك لهم شيئًا من
متاع الدنيا فقد عاش مهاجرًا مجاهدًا فقيرًا، روى الإمام أحمد وغيره بسندهم أن
رسول الله مهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي
بعد اليوم، ادعوا لي ابني أخي". قال: فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال: "ادعوا
لي الحلاق" فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا
أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي"، ثم أخذ بيدي فأشالها -أي رفعها-
وقال: "اللهم اخلف جعفرا في أهله، بارك لعبد الله في صفقة يمينه". قالها
ثلاث مرات. قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرح له (أي تزيل فرحه بسبب يُتم
أولادها وفقرهم)، فقال: "العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة".
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: