حديث الداعية عن «الترندات».. بيان للحق أم نشر للباطل؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-EG" style="font-size:18.0pt;mso-bidi-language:AR-EG">أنا داعية وخطيب ومتابع جيد للسوشيال ميديا وأحب أن أعلق على ما يثار من تريندات في خطبي ودروسي ومنشوراتي على المواقع المختلفة، من باب توعية الناس بالصحيح في كل تريند يثار؟<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-EG" style="font-size:18.0pt;mso-bidi-language:AR-EG">وفي مرة بعد خطبة من الخطب علقت فيها على أحد التريندات جاءني أحد المصلين وعاتبني على ذلك وأنكره علي بحجة أن حديثي عن هذه الأمور يساعد في إفشائها بين الناس، وذكر لي مقولة "أميتوا الباطل بالسكوت عنه"! <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-EG" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-EG">فهل هذه المقولة صحيحة، وهل لديه حق في إنكاره هذا؟ ما وجه الصواب في هذا الأمر الذي أفعله بنية التوعية والدعوة وأخذ العبر؟</span>

مرحبًا بك أيها الداعية المبارك، وأسأل الله أن يبارك فيك، وأن يجعل ما تقدمه في موازين حسناتك، وأن يرزقك الحكمة وفصل الخطاب، وأن يجعلنا وإياك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...

 

فإننا نعيش في عصر لم تعد فيه الكلمة حبيسة المسجد أو المجلس؛ بل أصبحت تنتشر في الآفاق في ثوانٍ معدودة. وما يُسمَّى «الترند» هو في الحقيقة ظواهر اجتماعية تفرض نفسها على واقع الناس، فتشغل عقولهم؛ وخصوصًا الشباب منهم.

 

والداعية هو طبيب المجتمع؛ ولا يمكن للطبيب أن يغلق عيادته والناس يعانون من وباء بحجة أنه لا يريد للوباء أن ينتشر. ولكن، في الوقت ذاته، لا بد للطبيب من الحذر حتى لا ينقل العدوى بدلًا من علاج الوباء.

 

وقفة مع مقولة «أميتوا الباطل بالسكوت عنه»

 

هذه المقولة بهذا اللفظ لم ترِد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وإنما ورد عنه مقولة بالمعنى ذاته رواها أبو نعيم في «حلية الأولياء» ولفظها: «إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يُمِيتُونَ الْبَاطِلَ بِهَجْرِهِ، وَيُحْيُونَ الْحَقَّ بِذِكْرِهِ». وهي مقولة صحيحة في سياقها، ولها وجاهة شرعية كبرى، ولكنها ليست قاعدة مطلقة في كل وقت وفي كل مكان.

 

متى يكون السكوت إماتة للباطل؟

 

يكون ذلك عندما يكون الباطل خاملًا أو غير منتشر، أو حين يكون صاحب الباطل يهدف من ورائه إلى لفت الأنظار فحسب. هنا، يكون التجاهل هو أقوى سلاح؛ لأن الحديث عنه -ولو بالذم- يعطيه قيمة وحضورًا يقصدهما ويبحث عنهما.

 

متى لا يصح السكوت؟

 

حين يصبح الباطل واقعًا مفروضًا ومنتشرًا ومؤثرًا في قناعات الناس؛ هنا ينتقل الحكم من الإماتة بالسكوت إلى وجوب البيان. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].

 

فإذا سكت الدعاة عن «ترند» يهدم القيم، فمن الذي سيوضح للناس وجه الخطأ فيه؟ إن الصمت هنا قد يُفهم منه الإقرار أو العجز.

 

هل كان للمصلي حق في إنكاره عليك؟

 

الحقيقة أن للمصلي وجهًا من الحق في تخوُّفه، وهذا التخوف نابع من حرصه. ووجه الحق عنده هو خشية أن تتحول الخطبة إلى نشر للترندات، فربما حضر الصلاة من لم يسمع بهذا «الترند» أصلًا، فإذا بك تدله عليه من حيث لا تشعر.

 

والقاعدة هنا –أخي الفاضل- أنه إذا كانت المصلحة في البيان أرجح من مفسدة الإشهار، تعيَّن الكلام. وإذا كانت مفسدة التعريف بالمنكر لمن لا يعرفه أكبر، تعيَّن السكوت أو التعميم.

 

والخلاصة أن تسأل نفسك هذه الأسئلة قبل أي خطبة أو منشور:

 

- هل هذا الترند وصل لغالبية جمهورك؟ فإذا كان الجواب: نعم، فالبيان واجب.

 

- هل كلامك سيجعل الناس تزهد في هذا الباطل؟ أم يقوي فيهم الفضول للبحث عن تفاصيله؟ فإذا كان وصفك للمنكر مشوقًا أو مفصلًا أكثر من اللازم، فأنت تنشره.

 

- هل لديك رد قوي؟ فإن لم تكن متمكنًا علميًّا من الرد على ما أثاره هذا الترند، فلا تخض فيه حتى تمتلك الحجة القوية والرد الشافي، حتى لا تفتن الناس فتفسد من حيث أردت الإصلاح.

 

ضوابط تناول الداعية للترندات

 

لضمان أن يكون حديثك توعية بالحق، لا ترويجًا للباطل، أنصحك باتباع المنهج النبوي في معالجة الأخطاء، والذي يتلخص في الآتي:

 

1- أسلوب «ما بال أقوام»:

 

كان النبي إذا أراد إنكار أمر ما، لم يذكر الأسماء ولا التفاصيل؛ بل يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» [رواه البخاري]. فلا تسمِّ صاحب «الترند»، ولا تذكر تفاصيل دقيقة تدفع المستمع للبحث عن الفيديوهات أو المنشورات؛ بل ناقش الفكرة أو الظاهرة بذكاء.

 

2- التوعية الاستباقية:

 

بدلًا من أن تنتظر الترند لتتحدث عنه، اجعل دروسك تبني مناعة لدى الناس. فإذا جاء تريند ينشر أمورًا محرمة، أو يلبس على الناس دينهم، أو يدعو إلى باطل، يكون الناس قد تأسسوا شرعيًّا على حرمة ذلك، واستقروا عليه.

 

وختامًا أخي الكريم، فإن نيتك في توعية الناس هي نية صالحة بإذن الله، والداعية كالمجاهد، يحتاج لتقدير الموقف في كل معركة يخوضها. فلا تحرم الناس من التوعية والإرشاد، ولكن اجعل حديثك مغلفًا بالوقار الشرعي، بعيدًا عن الإثارة، قريبًا من الحكمة.

 

أسأل الله أن يسدد لسانك، ويشرح صدرك، وأن يجعلك مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلنا فتنة للذين كفروا ولا للذين آمنوا. ووفقنا وإياك لما يحبه ويرضاه.

 

روابط ذات صلة:

ضوابط استثمار "الترند" الرائج في خدمة الدعوة

كيف تصنع جيلاً لا يسقط أسير «الترند»؟

"الترند الدعوي".. بين الانتشار والمحتوى الجيد