<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو من سيادتكم الإفادة في تحليل هذا الموضوع الذي يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والفكرية العربية والإسلامية (حتى يناير 2026) يُروَّج لمشروع "بيت العائلة الإبراهيمية" كرمز للتسامح والحوار بين الديانات الإبراهيمية الثلاث مستلهمًا وثيقة الأخوة الإنسانية (2019) ويُنظر إليه من البعض كجزء من مشروع "الإبراهيمية" الأوسع الذي يركز على "المشترك الإنساني" بين الأديان، مع التغاضي النسبي عن الفروق العقدية الكبرى (كختم النبوة، تحريف الكتب السابقة، والشريعة الخاتمة)..</p><p> فما تقييمكم لهذا المشروع والدعوة إلى "الإبراهيمية" من الجوانب التالية هل يمثل خطرًا على العصبية الإسلامية (التماسك المجتمعي القائم على الدين الإسلامي كمصدر للقوة والوحدة)، أم يمكن اعتباره مجرد تعايش سلمي لا يؤثر على الهوية الثقافية والفكرية للأمة؟</p><p> كيف يتناسب مع دورة العمران البشري ، حيث قد يُفضي التركيز على "التسامح العام" والمشترك الإنساني إلى نوع من الترف الفكري أو الثقافي الذي يُضعف الصلابة العقدية والاجتماعية، كما حدث في مراحل الضعف الحضري؟</p><p> ما الفرق بين التعايش السلمي المشروع (الذي يدعمه الإسلام مع أهل الكتاب) وبين ما يُروَّج له تحت مظلة "الإبراهيمية" كإطار ثقافي-فكري أوسع قد يُذيب التمايز الديني والثقافي الإسلامي؟ </p><p>هل هناك توصيات (من حيث الحفاظ على العصبية والتماسك الاجتماعي والثقافي) للمسلمين في مواجهة مثل هذه المشاريع، لئلا تؤدي إلى ضعف الهوية المجتمعية الإسلامية في زمن التحولات الحضارية؟ جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته</p>
أخي
الكريم، في البداية من الضروري إدراك أن هناك مشاريع التفافية للتحايل على الإسلام
بغية تقويض قوته الذاتية، وإضعاف قوة الرابطة التي يحقق بها هذا الدين التماسك بين
معتنقيه، كذلك تصوير الإسلام ليس على أنه الدين الخاتم، والرسالة الأخيرة من
السماء للبشرية، ولكن تسعى تلك المشاريع لجذب الإسلام إلى أسفل وتقييد انطلاقه،
بدعاوى وهمية ومنها تلك الدعوة "الإبراهيمية".
تحايل والتفاف
في استشارة سابقة بعنوان "هل الإبراهيمية
تحايل على الإسلام؟" ذكرنا فيها مجموعة من الحقائق حول
الإبراهيمية، منها: أن فكرة الإبراهيمية وإن كانت بدايتها كفكرة جاءت عام (1811م)
كعهد بين المؤمنين في الغرب، فإن المستشرق "ماسينون" التقطها وأبرزها
عام 1949م، ليأت بعد ذلك توظيفها السياسي، عندما كتب عنها الرئيس الأمريكي الأسبق
"جيمي كارتر" في كتابه "دم إبراهيم" عام 1985م، حيث
دعا إلى مشترك يجمع أصحاب الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام،
منعًا لإراقة الدم.
ثم خفت المشروع حتى أحياه مرة ثانية
الرئيس جورج بوش الأب مع حديثه عن النظام العالمي الجديد، عقب انهيار
الاتحاد السوفيتي، ثم تم إحياء المشروع مرة ثالثة مع الربيع العربي، وذلك عام
2013م حيث أصدرت جامعة "هارفارد" الشهيرة وثيقة بعنوان "مسار
إبراهيم"، وفي العام (2015م) صدرت وثيقة أخرى عن جامعة
"فلوريدا"، ثم تصاعد الحديث عنها عام (2021م) مع التطبيع بين إسرائيل
والإمارات والبحرين عندما تحدث الرئيس "ترامب" في ولايته الأولى عن
المشروع باسم "اتفاقيات إبراهيم".
من هنا يتبين الرعاية
الأمريكية والغربية لهذا المشروع، خاصة أن هذا المشروع أسقط القضية الفلسطينية من
حساباته، كما أن صهر الأديان الثلاثة، ما هو إلا إهدار للرسالة الخاتمة، لذا وصف
شيخ الأزهر هذه الدعوة الإبراهيمية وصفًا كشف حقيقتها الخفية، عندما قال: "خلق
دين جديد لا لون له ولا طعم ولا رائحة".
أما المؤسسة الدينية السعودية فأصدرت فتوى واضحة
في (31 مايو 2023م) رافضة ما يسمى وحدة الأديان، ورافضة أن يستجيب المسلم لمثل هذه
الدعوة، لكن الفتوى تعود جذورها إلى العام 1999م حيث رفض مفتي المملكة الشيخ عبد
العزيز بن باز، تلك الدعوة الإبراهيمية.
أما ما يسمى بـ"بيت العائلة
الإبراهيمية" فقد أقيم له مبنى في جزيرة السعيدات في الإمارات وهو يضم دور
عبادة للأديان الثلاثة، وتم الإعلام عن هذا المشروع في فبراير 2019م، وتم افتتاحه رسميًّا
في فبراير 2023م، وكان الهدف المعلن أن يكون بوتقة للتعارف بين الأديان الثلاثة
وصهر الخلافات والاختلافات، وأن يكون مظهرًا ماديًّا لوثيقة الأخوة الإنسانية التي
وقّعها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب مع بابا الفاتيكان البابا
"فرنسيس" في فبراير 2019م.
فاعليات على الأرض
يتم الترويج للمشروع الإبراهيمي بصورة براقة
جذابة وأضواء مبهرة حتى لا تستطيع العيون مشاهدة حقيقته، فتم الترويج له على أنه
مجال للحوار وساحة للتعايش بين الأديان، ولم تكف الآلة الدعائية عن الحديث عن
مميزاته، وتسكين المخاوف من أغراضه الحقيقية.
الدعوة الإبراهيمية أصبحت ما يشبه
"الموضة" ولم تعد مقصورة على "بيت
إبراهيم"، وباتت تتحرك على الأرض في لقاءات ومؤلفات ومؤتمرات وتوصيات، وتتشدق
بمجموعة من القيم والأهداف الجذابة، مثل: إدانة العنف والإرهاب والتطرف، لكن في
المقابل كان هناك صمت حول حقوق الشعب الفلسطيني في المقاومة واستعادة حريته وأرضه.
ومن تلك التحركات الموجودة
على الأرض ما سُمي "الحركة الإبراهيمية العالمية" والتي أعلن
عنها عام 2020م، ومؤسسها هو "توم ويغنر" مؤلف كتاب "الثورة الإبراهيمية" الذي أصدره عام
2025م، حيث بيّن أن هدف الكتاب هو "تفكيك أيديولوجيات الكراهية" وبناء
مستقبل قائم على الاحترام المتبادل، والعودة إلى ما أسماه "الإيمان
الرحيم" وهو مصطلح براق يشبه –في نظري- "الموت الرحيم".
والمعروف أن "توم ويغنر" ناشط
سياسي إسرائيلي، وشغل مناسب رفيعة في الحكومة الإسرائيلية، كمتحدث باسم رئيس
الوزراء ومستشار وزير الدفاع لشؤون الاتصالات.
وقد نظمت تلك الحركة اجتماعًا مع وفد من
مسلمي أمريكا الشمالية في نهاية ديسمبر 2025م برئاسة "أنيلا علي"
المجلس الأمريكي لتمكين المرأة المسلمة وهي من أصول باكستانية ومن أكبر
المروجين للإبراهيمية، وخلال هذا الاجتماع تم السعي لتعزيز التضامن
اليهودي الإسلامي، وهذا الوفد زار المكان الذي شهد هجوم حركة حماس على الكيان
الصهيوني في المنطقة التي كان فيها مهرجان "نوفا" الموسيقي في السابع من
أكتوبر، كما زار ذلك الوفد الكنيست، واحتفل بعيد "حانوكا" اليهودي،
والتقى مع وفد من الدروز الموجودين في إسرائيل، وحضر تلك الفعاليات بعض الشخصيات
الإماراتية.
أخي الكريم، يتضح مما سبق أن تلك
"الإبراهيمية" ما هي إلا دعوة لتمييع للدين وأصوله الاعتقادية القائمة
على التوحيد، ومن الناحية السياسية فهي تهدف إلى تدجين المسلمين بدعوات وهمية لا أساس
لها، للتنازل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والسؤال الأهم كيف
يلتقي التوحيد مع التثليث، ومع عقيدة الشعب المختار، والأهم أنه إذا
كانت الأيدي الصهيونية تقف وراء مثل هذه المشاريع فإن أي ثقف لا بد أن يتحسس
الشكوك في تلك النوايا ويبحث عن تلك الخفايا.
موضوعات ذات صلة:
الديانة الإبراهيمية.. حقيقتها وحكمها
حكم الدعوة إلى الديانة الإبراهيمية كدين جديد