<p>أنا شاب أعمل في المحتوى الدعوي عبر يوتيوب وتيك توك، وألاحظ أن أغلب المتابعين لا يتفاعلون إلا مع المقاطع التي تتناول موضوعات رائجة أو ترندات منتشرة، مثل الجدل حول قضايا المرأة أو المشاهير أو المواقف الساخنة على مواقع التواصل.</p><p>أحيانًا أشعر أن الالتزام بالجدية يجعل الناس لا تشاهد المحتوى، بينما الذين يتحدثون بأسلوب ساخر أو يركبون الترندات ينتشرون انتشارًا واسعًا! فهل من الحكمة أن أشارك في الترند الدعوي؟ وكيف أوازن بين الانتشار والتوقير، بين جذب الناس والحفاظ على رسالة الدعوة؟</p>
إن
الدعوة في عصـر الترند تحتاج إلى بصيرة كالمصباح في مهب الريح، يوازن بين الجاذبية
والمهابة، بين لغة العصـر وسكينة الرسالة. إن الله لم يأمرك بأن تكون مقلدًا، بل
هاديًا، وما أرسل الرسل ليتابعوا موجات الرأي، بل ليصنعوا موجة تعيد الناس إلى
الله. وفي الوقت نفسه، الحكمة الدعوية تقتضي أن تفهم كيف يفكر الناس اليوم، وكيف
يمكن توظيف الترند ليكون جسرًا للهداية لا فخًّا للسطحية.
أولًا:
افهم الترند قبل أن تستخدمه
الترند
ليس شرًّا مطلقًا، لكنه أداة متقلبة تظهر ما يتفاعل معه الناس في لحظة معينة. من
الحكمة دراسة الترند قبل ركوبه: هل فيه ما يخالف قيم الإسلام؟ هل يمكن توجيهه
لصالح الخير؟ هل يناسب صورتك كداعية يحمل رسالة لا مجرد محتوى؟ ركوب الترند بلا
وعي يشبه من يمسك سيفًا بحدّه لا بمقبضه، فيؤذي نفسه قبل أن يقنع غيره.
ثانيًا:
فرّق بين التفاعل مع الترند والتنازل له
من
الذكاء أن تقدم محتوى يتناول قضية رائجة بلغة راقية تبيّن الموقف الشرعي والعقلي
منها، ومن الخطأ أن تشوّه وقارك الدعوي لتضحك الجمهور أو تواكب سخريتهم. مثال: إن
انتشر ترند يتحدث عن الحياة بلا قيود، بدل مهاجمته مباشرة، يمكنك صنع مقطع قصير
بعنوان: "هل الحرية أن تفعل ما تشاء؟ أم أن تختار ما يرضي ضميرك؟" فتدخل
إلى لب الموضوع بروح المفكر لا المهاجم.
ثالثًا:
اجعل القيمة هي التي تصنع الترند لا العكس
الداعية
الحقيقي لا يسير خلف الموجة، بل يصنع موجته الخاصة. حين تقدم محتوى صادقًا،
راقيًا، مؤثرًا، ستجد أن الناس مع الوقت يتابعونك لتسمعك أنت لا لترندات الآخرين.
كثير من الدعاة الرقميين سقطوا لأنهم جعلوا الجمهور قائدهم لا جمهورهم. تذكّر قول
الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]. فالخشية تصنع الثبات، والثبات يصنع
الاحترام، والاحترام يصنع التأثير الحقيقي.
رابعًا:
خاطب الترند بروح الناصح لا المتفرج
بدل
الانخراط في الجدل أو السخرية، استخدم الترند كنافذة للحديث عن القيم. مثال: إذا
انتشر جدل حول نجمٍ سقط أخلاقيًّا، لا تتحدث عنه شخصيًّا، بل تحدّث عن معنى الشهرة
والابتلاء، وكيف أن الستر نعمة، وأن العاقل لا يفرح بزلة غيره. الناس تتعب من
الصخب، وتبحث عن صوت عاقل وسط الزحام، فكن هذا الصوت.
خامسًا:
احمِ نفسك من إدمان الأرقام
من
أخطر ما في الترند أنه يعطي إحساسًا زائفًا بالإنجاز. قد يغريك عدد المشاهدات
فتكرر الصيغة ذاتها طلبًا للمزيد، حتى تفقد روح الدعوة شيئًا فشيئًا. قاوم هذا
الشعور بالتذكير الدائم بالنية: "اللهم اجعلني أبحث عن الأثر لا عن الظهور".
كلما ازداد تفاعلك، ازددت تواضعًا، حتى لا يتحول النجاح إلى استدراج ناعم.
سادسًا:
طوّر أدواتك الإعلامية باحترافية
لتكون
مؤثرًا وسط ضجيج الترندات، اجمع بين قوة المضمون وجمال الشكل. تعلم صياغة عنوان
جذاب دون تضليل، وابدأ الفيديو بجملة مشوقة دون إسفاف. اجعل الكلمة الطيبة تُقدَّم
في ثوب حديث يليق بزمانها دون أن تفقد روحها. قال ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال»
(رواه مسلم). فاجعل الجمال وسيلتك لتقديم الحق لا غايتك منه.
سابعًا:
كن قدوة في ثباتك وسط تقلب الموج
حين
يراك الناس ثابتًا لا تلهث وراء الترند، سيزداد احترامهم لك حتى وإن قلّ تفاعلهم
مؤقتًا. الناس تميل إلى من يشبه الجبال، لا الأمواج. وسيبقى أثره أطول من أثر كل
الترندات العابرة التي تُنسـى بعد أيام. ما يُزرع في القلوب يبقى، وما يُنشر من
أجل المشاهدات يتبخر.
فيا
صاحب الكلمة الهادئة، لا تلهث وراء الضوء، بل كن أنت النور. ولا تخشَ أن تكون
مختلفًا، فالمختلف في زمن التقليد هو الملهم. الدعوة الرقمية اليوم تحتاج من يزرع
الترند الصالح، الذي يجعل الناس تتداول الخير كما كانت تتداول التفاهة. اصنع
الضجيج بالخير، وكن سببًا في عودة البصـر إلى القيم التي غابت. واذكر دائمًا أن
الناس قد تنسـى مقطعك، لكنها لن تنسـى الراحة التي شعروا بها حين سمعوك تتحدث عن
الله بصدق وهدوء وسط ضجيج الترندات، ونسأل الله أن يبارك في مجهودك، ويجعلك سبب
هداية للقلوب التي تسمعك.
روابط
ذات صلة:
ضوابط استثمار "الترند" الرائج في خدمة الدعوة
كيف تصنع جيلاً لا يسقط أسير «الترند»؟