<p><strong>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أم، بنتي اتجوزت من حوالي شهرين لشاب حالته المادية مرتاحة جدًا. ومن يوم زواجها وهي ما جتش عندنا ولا مرة.</strong></p> <p><strong>قبل أيام رحت أزورها، شعرت أنها تكلمني بطريقة غريبة وبفتور وكأنها لا تريد مني أن أزورها في بيتها وقالت لي كلام يحمل معنى أنها مبسوطة وسعيدة لكن تشعر بالإحراج أمام أهل زوجها بسبب جهازها البسيط والفارق بين مستواهم ومستوى أهلها.</strong></p> <p><strong>وأنهت كلامها أنها ستأتي هي لزيارتي قريبا في إشارة فهمت منها أنها لا ترحب بزيارتي التي جاءت دون هدايا غالية لها ولأهل زوجها كعادة كثير من أسر الفتيات الثريات رغم اني احضرت لها حقيبة ممتلئة بالأشياء التي تحبها هي.</strong></p> <p><strong>المهم الكلام وقع عليّ زي السكينة. أنا اللي ربيتها وتعبت عليها وكبرتها من حالتنا البسيطة، وفي الآخر ألاقيها مستعرّة مننا قدام جوزها وأهله لأنهم أغنياء وإحنا على قد حالنا وأنا راجعة الدنيا لفت بيا من الصدمة..</strong></p> <p><strong>لا أعرف كيف أتعامل مع هذا الوضع ولا أعرف فيما أخطأت وأنا التي ضيعت عمري على تربيتها. أنا مش طالبة منها حاجة، غير إنها تفضل بنتي وتكون رحيمة بيّ.</strong></p> <p><strong>لكن اللي حصل خلاني أتساءل: كيف أتعامل مع بنتي وهي بتتصرف كده؟ هل الأفضل أقطع العلاقة وأسيبها لحد ما ترجع هي من نفسها، ولا أستمر في المحاولة؟</strong></p> <p><strong>كيف أوازن بين حقي كأم في البر والرحمة، وبين رغبتها في إخفاء أهلها عن حياة زوجها؟ وهل في توجيه شرعي أو أسري يساعدني أتصرف بحكمة من غير ما أخسرها تمامًا؟</strong></p> <p><strong>أكتب هذه الاستشارة وقلبي موجوع، وأتمنى منكم نصيحة تريحني وتعلّمني كيف أتعامل مع الموقف بما يرضي الله.</strong></p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.
غاليتي، أشعر بقلبك الموجوع وحزنك العميق، فأنت أوقفت حياتك عل هذه الابنة ولم تبخلي عليها بشيء، لا بالحب والحنان ولا بالنفقة قدر ما تستطيعين وتمتلكين، وجعلت منها فتاة مميزة جميلة متعلمة، حتى أن شابًّا من عائلة ثرية انجذب لها رغم علمه بظروفك وظروفها المادية، لكن يبدو أن ابنتك تعاني من بعض الاضطراب بعد الزواج سوف أشرحه لك بعد قليل، فأنا أريدك أن تصبري صبرًا جميلاً يشبه صبر نبي الله يعقوب وهو يعاني من ابتعاد أبنائه عنه واحدًا تلو الآخر.. نعم أسباب الابتعاد مختلفة لكن تبقى مرارة البعد والافتقاد واحدة.
اهتمي بنفسك
أختي الغالية، أريد أن توجهي طاقتك للاهتمام بنفسك فأنت امرأة شريفة مكافحة ينبغي أن تفخري بنفسك وتحمدي الله عز وجل أن وفقك لما قمت به من دور.. اتركي ابنتك تخوض تجربتها الجديدة وامنحيها مساحتها المناسبة ولا تجعلي هدفك الوحيد في الحياة متابعتها والتعرف على أخبارها، ولا تجعلي أنسك الوحيد هو رؤيتها وقضاء الوقت بصحبتها، فلقد أصبحت لها حياة جديدة تشغلها، وعليك أنت أيضًا أن تجدي معاني جديدة لحياتك بعد أن أديت رسالتك مع ابنتك.
كلامي لا يعني أنني أريد لكما الجفاء في العلاقات، لكن يعني أن الفراغ يهلك الإنسان نفسيًّا وجسديًّا، وطالما هو حي يتنفس فوق هذه الأرض فعليه أن يصنع لنفسه الأهداف ويجعل لحياته معنى أكثر عمقًا من ربط الحياة بشخص واحد حتى لو كان هذا الشخص هو الابنة الغالية.
* أختي الكريمة، خططي لنفسك وردًا من القرآن الكريم على مدار جلستين مرة بعد صلاة الفجر ومرة بعد صلاة العصر.. اقرئي وتدبري المعاني واستعيني بمصحف فيه تفسير ميسر وحاولي أن تقرئي القرآن بطريقة جديدة وأنت تستشعرين أن كل كلمة هي رسالة موجهة لك أنت شخصيًّا على نحو ما، وعيشي في هذه المعاني ستجدين أنك تنفصلين عن أي ضغوط تنغص عليك حياتك.
* إن استطعت أن تنضمي لمدرسة لتحفيظ القرآن أيضا فهذا خير كثير، فمن ناحية تحصلين على الثواب وترفعين منزلتك عند الله تعالى، ومن ناحية تصنعين أهدافًا جديدة لحياتك، ومن ناحية ثالثة تحصلين على صحبة صالحة أنت في أمس الحاجة إليها لبناء حياة اجتماعية.
* لو الظروف لا تسمح بحلقة على أرض الواقع ففي الفضاء الإلكتروني متسع.. حلقات مجانية تمامًا وصحبة صالحة بل ودروس دينية في الفقه والسيرة وشتى المجالات.
* اخرجي كل يوم من البيت وامشي لمدة نصف ساعة.. تعرضي للشمس واستنشقي هواء مختلفًا عن هواء المنزل، واذكري الله بقلبك ولسانك حتى يطمئن قلبك.
* أعيدي جسور العلاقات مع القريبات والجارات والصديقات القدامى.. اسمعي حكايات مختلفة واندمجي في حياة اجتماعية تصنيعنها بنفسك.
* تناولي الطعام الصحي والخضراوات الطازجة واهتمي بصحتك، فأنت بحاجة أن تكوني بكامل نشاطك، كما أن الحالة الجسدية السليمة تصنع حالة نفسية طيبة.
أنت وابنتك
اختي الكريمة، طلبت منك الاهتمام بنفسك قبل أن أناقش علاقتك بابنتك بعد الزواج حتى نناقشها وأنت في موضع القوة والثقة والاكتفاء ولست في موقف الضعف والفقد والحرمان؛ فالفارق سيكون كبيرًا في الرؤية والتقييم عندما ننظر لمشكلة ما من موضع قوة أو من موضع عجز.
أختي الكريمة، ابنتك تعاني من اضطراب واضح بعد زواجها بسبب الفروق الطبقية والمادية، وهذا يسبب لها اضطراب هوية، وهو أمر لن يستمر طويلاً وسيحدث لديها حالة من الاستقرار؛ لذلك لا أريدك أن تمثلي عامل ضغط عليها، وثقي أن تربيتك لها هي ما ستجعلها تستقر سريعًا وبطريقة لائقة، فقط عززي تربيتك لها بكثافة الدعاء.. ادعي أن يرزقك الله برها.. ادعي أن يصلح الله شأنها.. ادعي أن يؤلف الله بين قلبها وقلب زوجها.. ادعي لها بالرضا والسعادة، وادعي لنفسك بالرضا والسعادة وراحة البال، وثقي أن الله قريب سميع للدعاء.
تسألين لماذا تضطرب ابنتي على هذا النحو؟ وهل هي "تستعر" مني ومن بيئتها التي نشأت فيها؟
أقول لك هي تعاني من الضغوط المباشرة وغير المباشرة.. الضغوط الخارجية والداخلية لذلك تضطرب.. سأضرب لك نموذجًا:
هي ذهبت لزيارة حماتها أو أخت زوجها أو زوجة أخيه فوجدت تجهيزات فخمة في المطبخ.. أدوات وأجهزة فقامت بشكل تلقائي بعمل مقارنة بين ما تراه وبما تم تجهيزها به، فشعرت بغصة في حلقها ومقارنات في عقلها وصراع داخلي بين شعورها بالرضا بظروفها وبين شعورها بالنقص أو أنها أقل، وربما تساؤلات تدور حول لماذا هي من طبقة أقل؟
ربما هي استمعت لتعليق أو مقارنة مقصودة من عائلة زوجها وربما غير مقصودة ولكنها متحسسة.
أضرب لك نموذجًا آخر حتى تشعري بما تعاني منه هي وما سبب اضطرابها وكلامها.. جرت العادات والأعراف التي ما أنزل الله بها من سلطان أن عائلة الفتاة عندما يأتون لزيارتها بعد الزواج يقدمون لها هدايا ثمينة.. بعضهم قد يقدم هدايا ذهبية وبعضهم يأتي بسيارة نقل صغيرة محملة بأنواع من اللحوم والحلوى والفاكهة، يقدم جزء منها للعروس وجزء منها لأهل العريس.
وابنتك تسمع وتقارن فاستشعرت حرجًا أنها لم يأت لها مثل فلانة وفلانة، حتى أنها استشعرت أن الغياب التام وعدم تقديم أي شيء أفضل من حقيبة صغيرة فيها بعض الأشياء التي تحبها هي، والتي تعني اهتمامًا خاصًّا بها من الوالدة، لكن لأنها مضطربة فهي لم تستطع تحليل الموقف بطريقة صحيحة وحدثتك بعفوية عما تشعر به دون أن تفكر في عواقب كلامها وأنك قد تظنين أنها "مستعرة" منك، والأمر ليس كذلك أبدًا بل هي قلقة مضطربة تقيم نفسها وعائلتها بعيون أهل الزوج الطبقية فترغب في الاستتار والابتعاد والاختفاء لذلك قالت ما قالته.
هي تحبك وفي قرارة نفسها تعرف الدور العظيم الذي لعبته معها وتعرف قيمة تربيتك تدرك حبك وحنانك واهتمامك.. عقلها مقتنع بك تمامًا وقلبها معك كله ولكنها مضطربة غير قادرة على التكيف بعد.. فكثير من الفتيات يعانين من أشكال مختلفة من الاضطراب مع بداية الزواج، خاصة الفتيات صاحبات الشخصيات الحساسة والمرهفة مثل ابنتك، فإذا تعرضت أيضًا لضغوط أو مقارنات فيمكننا أن ندرك أي أزمة تعيشها.
لذلك أختي الحبيبة أريدك ألا تغضبي منها فهي بحاجة لرضاك ودعائك.. ابتعدي عنها بصورة نسبية.. تواصلي معها هاتفيًّا واتركي لها الفرصة كاملة للاستقرار النفسي واختيار الوقت المناسب للزيارات، اكتفي بقولك أنا أشتاق لك دون نقد منك أو اتهام.
أنت لن تجلسي صامتة في انتظار هذا الموعد بل ستعملين على العناية بنفسك ووضع أهداف متعددة لحياتك.. لا تستسلمي لحالة الحزن والألم فإن هذا من نزغات الشيطان الذي يريدك أن تهدري حياتك.. رزقك الله السعادة وراحة البال ومنح ابنتك حياة هادئة مستقرة ورزقك برها، وتابعينا بأخبارك دائمًا.
روابط ذات صلة: