ما الفرق بين وَجْد الأنصار يوم حنين ووَجْد أمهات المؤمنين؟

<p>ما معنى &quot;الوَجد&quot;؟</p> <p><span dir="RTL">وهل وَجدُ الأنصار حين رأوا النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم يُشبه وَجدَ الزوجات حين طلبن الزيادة في النفقة وخيَّرهن النبي ﷺ بين البقاء أو الطلاق؟</span></p>

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العظيم أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يرزقك الفهم السديد، وأن يجعلنا وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

معنى «الوَجْد»

 

كلمة «الوَجْد» في اللغة العربية هي كلمة حمَّالة أوجه، يختلف معناها باختلاف سياقها وحركة حروفها. فهي في سياقات معينة تعني شدة الحب والشوق الذي يؤلم القلب، ومنه سُمي التواجد عند الصوفية.

 

وفي سياقات أخرى تعني الظفر بالشيء، نقول: وَجَدَ فلان الشيء، أي عثر عليه.

 

وجد الأنصار يوم حنين:

 

أما في السياق الذي سألت عنه (حديث الأنصار)، فهي تعني الغضب الباطن والحزن. يقال: «وَجَدَ عليه» أي غضب منه غضبًا مصحوبًا بحزن أو عتب في النفس. وهو ليس غضب الانتقام؛ بل غضب المحب الذي يشعر بأنه ظُلِم أو لم يُقدَّر قدره.

 

فالصحابة وجدوا لشعورهم بأن النبي ﷺ فضَّل غيرهم عليهم في العطاء الدنيوي؛ ما أثار في نفوسهم تساؤلًا حول مكانتهم عنده.

 

ولفهم تلك الحالة الشعورية، دعنا نستحضر الموقف. بعد غزوة حنين، وزَّع النبي ﷺ قسطًا كبيرًا من الغنائم على «المؤلفة قلوبهم» وهم سادة قريش والقبائل الذين أسلموا حديثًا ليتألفهم، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة بن حصن مائة، وغيرهم، ولم يعطِ الأنصار شيئًا من هذا العطاء المادي. هنا تحركت نوازع النفس البشرية لدى بعض الأنصار، فقالوا: «يغفر الله لرسول الله ﷺ، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم».

 

وسبب هذا الوجد هو الغيرة على المكانة والقرب، والخوف من أن يكون النبي ﷺ قد مال إلى غيرهم ونسيهم.

 

وقد عالج النبي ﷺ هذا الموقف علاجًا عاطفيًّا روحيًّا رقيقًا جدًّا؛ إذ جمعهم النبي ﷺ وقال لهم بوضوح ومصارحة: «يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، ومَوجِدَةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟».

 

ثم قال جملته التي تذيب القلوب: «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تأَّلفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟» [متفق عليه].

 

ونلاحظ أن النبي ﷺ سمى شعورهم «موجدة»، وعالجها بأن بيَّن لهم أن الوجد والحزن الذي شعروا به كان بسبب «لعاعة» (أي شيء تافه) من الدنيا، وأن العوض الحقيقي هو شخص الرسول ﷺ نفسه، وما أعظمه من عوض! فبكوا حتى ابتلت لحاهم.

 

 وجد أمهات المؤمنين بسبب النفقة:

 

أما بالنسبة لوجد أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- وطلبن من النبي ﷺ التوسعة في النفقة عندما رأين سعة الفتوحات، فقد آلم هذا الطلب ﷺ وشق عليه، حتى اعتزلهن شهرًا، فأنزل الله تعالى آيتَي التخيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28 و29].

 

ومصدر هذا الوجد عندهن كان الرغبة البشرية الفطرية في تحسين مستوى المعيشة. والعلاج جاء من الله –عز وجل- بإرشاده للنبي ﷺ لوضع حد فاصل وخيار حاسم أمامهن بين إرادتهن «الدنيا» وإرادتهن «الله ورسوله». لم يكن التخيير مجرد تطييب خاطر؛ بل كان امتحانًا للإيمان والأولويات، وإعطاء القدوة لغيرهن من النساء؛ بل والرجال أيضًا في التعفف عن زينة الدنيا، وعدم الطمع فيها، حتى لا تشغلهم وتلهيهم، ويزهدوا في النعيم الأخروي.

 

 الفرق بين وجد الأنصار ووجد أمهات المؤمنين:

 

هناك فروق جوهرية دقيقة بين الحالتين، رغم أن ظاهرهما يتعلق بالمال والعطاء:

 

- فرق في الدافع: فعند الأنصار كان الوجد سببه الخوف من فقدان الحظوة والمكانة عند النبي ﷺ. هم لم يحزنوا لأنهم يريدون الغنائم لذاتها، بل قالوا: «يعطي قريشًا ويتركنا»، أي: هل فضلهم علينا؟ هل عاد يحن إلى أهله ونسي تضحياتنا؟ فوجْدهم كان وَجدَ المحب الغيور الذي يخشى أن يكون حبيبه قد استغنى عنه بغيره.

 

أما عند أمهات المؤمنين فكان الوجد سببه الرغبة في زينة الدنيا. فقد كن يعلمن مكانهن من رسول الله ﷺ؛ لكنهن أردن نصيبًا أكبر من زينة الدنيا. لذا جاء الرد الإلهي بالتخيير بين «الدنيا وزينتها» وبين «الله ورسوله».

 

فرق في طريقة المعالجة: مع الأنصار، استخدم النبي ﷺ أسلوب «الاسترضاء العاطفي» والتأكيد على الخصوصية؛ حيث قال لهم ضمن ما قال: «لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار»؛ لأنه علم أن وجدهم نابع من حبهم له. وكَلَهم إلى إيمانهم القوي، ولم يخيرهم؛ بل أكد لهم أنهم فازوا بالأصل (الرسول) وتركوا الفرع (المال).

 

أما مع الزوجات، فاستخدم أسلوب «الحسم والمفاصلة»؛ لأن بيت النبوة لا يصلح أن يُبنى على التنافس الدنيوي. خيَّرهن فاخترن الله ورسوله، ليرتقي بهن عن مستوى المطالب المادية إلى مستوى التضحية المطلوبة من بيت النبوة.

 

وختامًا أخي الحبيب، تلك المواقف تعلمنا أن الصحابة بشر، تعتريهم المشاعر، ويحزنون ويغضبون، ولكن العبرة كانت في سرعة فيئتهم ورجوعهم إلى الحق بمجرد التذكير بالله ورسوله. أسأل الله أن يرزقني وإياك حب الله ورسوله، وأن يملأ قلوبنا غنىً ويقينًا.

 

روابط ذات صلة:

الهجر بين النبي ﷺ وزوجاته