<p>هل يمكن أن تكون الأوهام عقبة أمام مشاريع الإصلاح وبخاصة الاجتماعي، بمعنى أن تنشأ فكرة مثل اليأس من النصر أو إضفاء صفات خارقة على الأعداء وأن هناك استحالة في التغلب عليهم، هل مثل هذه الأوهام قد تكون عائقًا أمام الإصلاح والانتصار؟</p>
أخي الكريم، تلعب الأوهام دورًا كبيرًا في تقييد حركة الشعوب ونهضتها، وقد تكون تلك الأوهام هي ما تصنعه تلك الشعوب لنفسها من اعتقادها في أفكار باطلة وضالة وغير هادية، أو ما يصنعه الأعداء لتلك الشعوب من تأكيد قصورها العقلي والحضاري وخلوها من الإبداع والتفكير العلمي.
والأوهام هي خليط من المعتقدات وأنماط التفكير تلعب البيئة دورًا في بثها وتعمقيها في الوجدان الاجتماعي بحيث تؤثر على السلوكيات والأفعال، وقد تكون دافعًا أو محفزًا لسلوكيات معينة أو عائقًا لسلوكيات أخرى.
أوهام السببية
تتحدث الأبحاث الحديثة عما تسميه "أوهام السببية" وتعني وجود علاقة سببية بين حدثين ليس لهما علاقة في الواقع، وهذا الوهم هو أحد أسس التفكير الخرافي وغير العلمي، ويبث أفكارًا زائفة في العقل الإنساني والمجتمعي تعيق النهوض والتطور والتقدم، وهذه "الأوهام السببية" مبثوثة في حياة الإنسان اليومية، كما أن لها حضورًا في تاريخ الأمم والشعوب.
ففي التجربة التاريخية الإسلامية استطاع التتار والمغول بناء وهمٍ أنهم لا يقهرون ولا يهزمون، وكان هذا الوهم يسبق تحرك جيوشهم، فتنخلع له القلوب قبل أن يبدأ القتال.
شكل هذا الوهم عائقًا أمام الأمة المسلمة في مواجهة التتار والمغول، وظن المسلمون أنهم لا يستطيعون مواجهتهم، وبُثت الكثير من المقولات التي تؤيد هذا الوهم في الكتب حينها وفي كلام الناس حتى قيل: التتار تصل إليهم أخبار الأمم ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وأن نساءهم يقاتلن كرجالهم، وأن خيول التتار تحفر الأرض بحوافرها، وأن التتار لا يحتاجون إلى الإمداد والتموين لأنهم يأكلون جميع اللحوم ويأكلون البشر.
وقد وصل الأمر ببعض الفقهاء أن يعلن أن التتار والمغول هم يأجوج ومأجوج الذين تحدث عنهم القرآن الكريم، والذين يأكلون الأخضر واليابس، وأنهم من علامات الساعة الكبرى، أي أنهم قدر مقدر لا يمكن الفكاك منه.
يذكر المؤرخ الكبير "ابن الأثير" في كتابه "الكامل في التاريخ" كيف أن ذلك الوهم أخضع الناس، وجعلهم يستسلمون، ومن الحكايات التي ذكرها: "كان التتري يدخل القرية بمفرده، وبها الجمع الكثير من الناس فيبدأ بقتلهم واحدًا تلو الآخر، ولا يتجاسر أحد المسلمين أن يرفع يده نحو الفارس بهجوم أو بدفاع".
ولـــــكن عندما تحطم ذلك الوهم، الذي تحالفت على تحطيمه قوة العلم المتمثلة في الشيخ "عز الدين بن عبد السلام" أحد كبار الفقهاء ذلك العصر، والذي أعلن أنه سيشارك بنفسه في قتالهم، وأن المشكلة ليست في قوة التتار والمغول، ولكن في ضعف المسلمين فإذا تبدد ذلك الضعف كانت هزيمة التتار وشيكة.
ثم جاءت القوة المادية مع المماليك وقائدهم سيف الدين قطز، الذي أعلن لأمراء المماليك، الذين لاحظ منهم الخشية من قتال المغول، بالقول: "أنا متوجه لألقى المغول بنفسي، فمن اختار الجهاد فليصحبني، ومن لم يختر ذلك فليرجع إلى بيته"، وكانت هذه المقولة بجانب الاستعداد المادي كفيلة بتبديد وهم أسطورة الجيش المغولي الذي لا يٌقهر والانتصار في معركة عين جالوت عام 1260م، وهو ما تكرر مع العرب إبان قتال الجيش الصهيوني بعد هزيمة يونيو 1967، حيث أشاع الصهيونيون أنهم الجيش الذي لا يقهر، وكان تحطيم هذا الوهم ضرورة للانتصار في العاشر من رمضان بعد ذلك.
نظريات تدعم الأوهام
وقد سعت القوى الاستعمارية لبث مجموعة من الأوهام بحق أمم وشعوب لتأبيد تخلفهم وجهلهم وعدم تحضرهم، وذلك لتحقيق الهيمنة عليهم واستدامة رضوخهم تحت نير الاستعمار أو المهانة والاستغلال وإفقادهم الثقة بأنفسهم.
ونشير هنا إلى مجموعة من "النظريات" التي ادعت العلمية لتأكيد مجموعة من الأوهام، ومن ذلك:
- تفوق الجنس الأبيض: حيث ادعت تفوُّق السلالات البيضاء على السلالات الملونة، وأن هذا التفوق يقضي عدم اختلاط الدماء البيضاء مع الدماء الملونة، كما منحت هذه النظرية للسلالات البيضاء الحق في استعمار الملونين وإخضاعم، وأن ذلك الإخضاع يرتكز على أسس نفسية وبيولوجية يتميز بها الجنس الأبيض مقارنة بالدماء الأخرى.
- نظرية تفوق العرق الآري: حيث زعمت تلك "النظرية" تفوق الجنس الذي ينتمي تاريخيًّا إلى السلالة الهندية الأوروبية، فمع منتصف القرن التاسع عشر استحوذت هذه النظرية الموهومة حيزًا كبيرًا في العقل الأوروبي، وظهرت مجموعة من الكتب التي تدّعي صحتها، ففي العام 1853م كتب الأرستقراطي والأنثربولوجي الفرنسي "أرتور دي جوبينو" كتابه "مقال في عدم تساوي الأجناس البشرية"، معلنًا فيه تفوق الجنس الآري على بقية الأجناس البيضاء، وكان ذلك الوهم هو الذي تغذت عليه النازية في ألمانيا بعد ذلك.
ولم تنج البشرية من تلك الأوهام إلا بعد دماء غزيرة وبخاصة مع الاستعمار الغربي، ثم مع النازية التي أشعلت الحرب العالمية الثانية.
روابط ذات صلة:
لماذا يلجأ المرضى إلى الخرافة؟
مفهوم السنن في الرؤية الإسلامية