<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ، أعيش حالة شعورية جديدة عليّ، وهي تثير حيرتي وقلقي. أنا طالبة جامعية ملتزمة ولله الحمد، أحاول جاهدة تقوية علاقتي بربي وتثبيت نفسي على الطاعة. في جامعتي، هناك أستاذ (أكبر مني سناً بفارق ليس قليلاً) أرى فيه نموذجًا للرجل المسلم الصالح الذي أتمناه زوجًا.</p> <p>هو رجل متدين، خلوق، لديه علم شرعي، وأحسبه على خير، وأرى في زواجي منه عوناً عظيماً لي على ديني، إذ سيكون شريكاً يذكّرني بالعبادة والطاعة ويُعينني على الاستقامة. فالمسألة ليست مجرد مشاعر عاطفية، بل هي رغبة في "شريك للجنة".</p> <p>المشكلة تكمن في أن المسافات بعيدة؛ فنحن ندرس في جامعة في بلد، وهو يعيش في مدينة أخرى، ويزور الجامعة بشكل متقطع كمحاضر زائر أو مؤقت. وأنا لا أملك طريقة شرعية للتعبير عن هذه الرغبة، كما أنني أخشى أن يكون متزوجًا بالفعل أو غير مهتم بالزواج الآن لكبر سنه أو انشغاله.</p> <p>ماذا أفعل تجاه هذه المشاعر؟ كيف أستطيع أن أتحقق من وضعه ونيته للزواج، خاصة أنني أرى فيه خيرًا لديني، دون أن أقع في محظور شرعي أو أسبب حرجًا لنفسي أو له؟ جزاكم الله خيرًا.</p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بكِ أيتها الابنة الفاضلة الطاهرة، وأسأل الله أن يرزقكِ الزوج الصالح الذي يكون لكِ عونًا على دينكِ ودنياكِ. إن نيتكِ في البحث عن شريك يُعين على الطاعة و"شريك للجنة" هي نية مباركة ترفع من قيمة أي زواج، وهذا دليل على أن قلبكِ مشغول بأمر الآخرة.
هذه المشاعر النبيلة، وإن كانت محصورة في القلب، يجب التعامل معها بمنطق الشرع والحكمة، خصوصًا في مسألة الزواج؛ لأن الإسلام حفظ للرجل والمرأة طرقًا واضحة للارتباط بعيدًا عن الفتنة.
التأصيل الشرعي لتهذيب الرغبة والمشاعر
1) حماية المشاعر قبل العقد: إنَّ الرغبة في الزواج من رجل صالح هي أمر فطري مشـروع، ولكن يجب ألا تتجاوز مرحلة التفكير إلى أي تواصل مباشر غير شرعي. تذكَّري قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ حتى في التعامل العادي، هناك ضوابط، فكيف بالتعامل الذي يحمل نية الارتباط؟
2) الاستخارة والتوكل: إن أعظم ما يجب عليكِ فعله هو اللجوء إلى الله بالدعاء الخالص. ادعي الله أن يجعل في قلبه محبة لكِ إن كان فيه خير لدينكِ ودنياكِ، وأن يصـرفكِ عنه إن لم يكن فيه خير. صلاة الاستخارة هي خير ما يفعله المؤمن في الأمور المصيرية.
الخطوات العملية الحكيمة لقطع المسافة
الزواج يتطلب وضوحًا وصراحة، والطريق الشرعي لتحقيق ذلك لا يمر إلا عبر الولي الشرعي أو من يمثله:
1) الاستعانة بامرأة ثقة (جسـر شرعي): بما أن الأستاذ بعيد ويصعب التواصل معه، فلا يمكنكِ المبادرة بحديث مباشر. الحل هو الاستعانة بامرأة موثوقة في محيطكما، مثل: زوجة أحد الدعاة تعرف وضعه، يمكنها أن تخبر زوجه ليكون وسيطًا، أو أستاذة جامعية ملتزمة وكبيرة في السن تعرف وضع الأستاذ جيدًا، وتعرفكِ أنتِ أيضًا، داعية موثوقة في المركز الإسلامي بالجامعة يمكنها سؤال الأستاذ بأسلوب حكيم ومحترم. وتوضحي لهذه الوسيطة نيتكِ الصادقة في الزواج لأجل العون على الطاعة، وأن الأمر يتعلق بـ"شراكة إيمانية". هذه الطريقة تضمن نقل الرسالة بأدب وحياء وبشكل شرعي يبتعد عن أي شبهة.
2) السؤال عن وضعه الزوجي (الاستعلام الحكيم): قبل أي مبادرة، من الضروري التأكد من وضعه الحالي. يمكن للوسيطة أن تستعلم بطريقة عامة:
* هل هو متزوج؟
* هل هو مستعد للزواج الآن؟
* ما هي طبيعة إقامته في المدينة البعيدة؟ (إقامة دائمة أم مؤقتة).
3) إشراك الولي مباشرة: إذا ثبت أنه غير متزوج ومستعد للزواج، فالخطوة التالية هي إبلاغ والدكِ (وليكِ الشـرعي). الولي هو الطرف الذي يتولى الخطاب والبحث في سيرة الخاطب وطلب التقدّم رسميًّا. لا تخافي من الحديث مع ولي أمركِ، فهو أحرص الناس على مصلحتكِ.
ونصيحتي لكِ أيتها الابنة النجيبة هي: ضعي إيمانكِ قبل عاطفتكِ. إياكِ والتواصل المباشر معه بذريعة "الاستفسار العلمي" أو "السؤال عن المحاضرات" وهو أمر لا يلزمكِ فعله. حافظي على حياء الفتاة المسلمة، وتأكدي أن الطريق الشـرعي لا يُعجّله سوى الله. إن كان فيه خير، فسيُيسِّر الله لكِ الأسباب ويُقرّب المسافات.
وأسأل الله العظيم أن يُقدِّر لكِ الخير حيث كان، وأن يُيسِّـر لكِ الزواج الصالح من الرجل التقي الذي يُعينكِ على طاعة ربكِ، وأن يحفظ قلبكِ وعفافكِ حتى يُتمم لكِ أمركِ، آمين.
روابط ذات صلة:
«داعيتي المفضل».. كيف أميِّز بين إعجابي بعلمه وتعلُّقي بشخصه؟
قلبي تعلق بأستاذي.. ماذا أفعل؟!