<p>هل يمكن أن يجد الإنسان خلاصه الروحي بعيدًا عن الدين، سبب سؤالي هو انتشار ما يسمى الروحانية اللادينية حيث يسعى هذا الإتجاه إلى الطمأنينة بعيدًا عن الدين.. فهل هذا ممكن؟</p>
أخي الكريم، سؤالكم ذو أهمية لأنه يناقش اتجاهًا آخذًا في الظهور منذ سنوات، وهو محاولة التغطية على إدراك الناس بالحاجة الفطرية للروحانيات وما يتولد عنها من طمأنينة وسكينة نفس، من خلال إيجاد روحانية منفصلة عن الدين، ومبتوتة الصلة بالسماء، أي أنهم يرغبون في الطمأنينة كمكسب للروحانية، ولا يريدون الدين بما فيه من تكاليف وأوامر ونواه وشعائر وحقائق.
الخروج من الدين
الفطرة الإنسانية السلمية يتناغم فيها البعد المادي الجسماني مع البعد الروحاني، والفصل بينهما هو فصل مستحيل، وينقل الإنسان إلى مساحة من التردي لها ضريبتها من سكينته وطمأنينته.
الإنسان ليس ذلك الهيكل الترابي، وليس تلك الرغبات والحاجات الجسدية، ولكن خلف الجسد هناك الروح، التي لها غذاؤها وحاجاتها، وإذا كانت اتجاهات مادية رأت أن إشباع حاجات الجسد وملذاته وشهواته كفيل بأن يُسكت حاجات الروح ومطالبها، فإن ذلك كان خطأ في التشخيص والعلاج، وأنتج كثيرًا من معاناة الإنسان المعاصر الذي بات أكثر قلقًا واكتئابًا وتوترًا وخواءً.
لماذا ظهرت تلك الروحانية اللادينية؟
الروحانية اللادينية، لها أشكالها القديمة التي تحدث عنها القرآن وبخاصة من أهل التبعيض الذين يريدون بعض الدين ويفرضون بعضه الآخر، لكن في العصر الحديث فإن أزمة الحداثة والعلمنة كانت عميقة في الجانب الروحي، إذ لم تستطع الحاجات المادية أن تغطي على أسئلة الإنسان الكبرى وقلقه الوجودي، وبحثه عن معنى للحياة.
ومن هنا كان البحث الحداثي العلماني عن مخرج من ذلك المأزق من خلال التأسيس لخروج عن البعد الروحاني والمعنوي الذي يهيمن عليه الدين، تحت مسميات لا تدفع الإنسان المعاصر للعودة للدين مرة أخرى، والسعي لتسكين الأسئلة الروحية والوجودية في الإطار الإنساني الذاتي وليس في إطار الرؤية الدينية وما تتأسس عليه من نصوص دينية.
تلك الروحانية اللادينية أو العلمية التي يُراد إحياؤها تغفل فطرية التعبد في الإنسان، وحاجته إلى التسامي، والتعالي، وتمنحه أوهامًا روحانية تشبه المسكنات الطبية التي تُسكت الوجع لفترة لتعود بعدها الأوجاع بأكثر مما كانت عليه، ومن ثم فتلك الروحانية العلمانية أشبه بالعملة المزيفة.
أهم معالم الروحانية اللادينية:
للروحانية اللادينية مجموعة من المعالم يمكن رصدها في النقاط الآتية:
* عدم الاعتراف بإله: فهي تركز على قوة الوعي الإنساني الذاتي دون وجود تصور لإله.
* ليس لها أي جانب شعائري أو تعبدي: والمعروف أن الشعائر هي نوع من الصلة بين الإنسان والإله ولها دورها في قوة الإنسان الروحية، وضبط سلوكه وفق تعاليم ذات الدين وقيمه، وتلجأ الروحانية اللادينية إلى بديل من التأمل واليوجا، وتلك السلوكيات الصامتة تشبه المسكنات دون أن تمنحه السكينة والطمأنينة.
* تقدس الذات الإنسانية: والمعروف أن منذ عصر التنوير وما تلاها هناك تمركز حول الذات الإنسانية وكذلك العقل والعلم.
* ليس لها علاقة بالغيب، فهي تركز على الطبيعة وما يحيط بالإنسان من مظاهر جمال وصفاء دون أن تطرح سؤال المعنى والغاية.
لــكن هذه الروحانية اللادينية يصفها البعض بأنه مزيفة فارغة لافتقارها لأي إطار أخلاقي أو إطار يجيب عن سؤال المعنى للإنسان.
ولعلك -أخي الكريم- إذا تأملت جلسات اليوجا، في شخص يجلس وقت الغروب صامتًا مغمضًا لعينيه لا يتكلم وفي حال سكون، دون أن يفكر في شيء ودون أي يفعل أي شيء، وقارنت بينه وبين شخص مسلم يقف في صلاته يقرأ القرآن الكريم في خشوع ويتفكر في معانيه وأوامره ونواهيه وقصصه وإرشاداته، ثم ما يتخلل الصلاة من دعاء خاشع يطلب ذلك المسلم من ربه أن يجيب دعاءه ويفرج همومه ويزيل أحزانه.
فلو قارنت بين الحالتين بين من يمارس اليوجا، وبين من يصلي في خشوع لأدركت الهوة العميقة بين الروحانية بلا دين وبين روحانية الدين.
الروحانية اللادينية تريد جزءًا واحدًا من الحقيبة الدينية ولا تريد كل الدين، أو بالتعبير القرآني التي كشفت عنه الآية الكريمة في سورة النساء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾.
فالروحانية اللادينية هي السبيل الذي تحدث عنه القرآن لهؤلاء الذين يريدون أن يأخذوا من الدين ما يشتهون وما يوافق مصالحهم، ويتركوا من الدين ما لا ينسجم مع أهوائهم ومصالحهم، ولذلك وصفهم القرآن الكريم في الآية التالية مباشرة بالقول ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، يقول الإمام الفخر الرازي في تفسيره "مفاتيح الغيب" عن هؤلاء: "إن أولئك هم الكافرون كفراً كاملاً ثابتًا حقًّا يقينًا".
روابط ذات صلة: