<p>هل يمكننا الاكتفاء بالقرآن الكريم وحده في استنباط الأحكام الفقهية وعدم الاحتياج إلى السنة؟ هناك بعض القرآنيين يقول إن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الصحيح، أما السنة ففيها الصحيح والضعيف ، ولا حاجة لنا بها لأن الله تعالى يقول ما فرطنا في القرآن من شيئ، فهل هذا القول صحيح وكيف يمكننا الرد عليه ؟</p>
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذه دعوى فاسدة ظاهرة البطلان، وهي تأتي على القرآن والسنة معًا، وهما المصدران الرئيسان في التشريع الإسلامي، ولا يمكننا فهم القرآن ولا تطبيق أحكامه من غير السنة، ودعوى أن السنة فيها الصحيح والضعيف؛ فنعم هي كذلك، لكن الله هيأ لنا من العلماء الثقات العدول الذين بينوا ووضحوا لنا الصحيح والضعيف من السنة، ولسنا ملزمين بالعمل بالضعيف.
وأبلغ الردود على ذلك هو القرآن الكريم نفسه الذي أمرنا باتباع سنة النبي ﷺ وجعل الإعراض عنها والتفريق بينها وبين القرآن ردة عن الإسلام، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 150- 152].
روى أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن المقدام أن رسول الله ﷺ قال: «يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ».
جمال البنا نموذجًا على هذه الدعوى الفاسدة
وهذا ما فعله جمال البنا حيث إنه وضع طريقة في التعامل مع القرآن الكريم لم يُسبق إليها، تؤول في النهاية إلى قرآن جديد، فهو يريد أن يتخلص من ركام التفاسير بداية من تفسير ابن عباس ونهاية بالظلال ومن أتى وسيأتي من بعده، ولا يعترف بأسباب النزول كلها، ولا يرى أن للغة العربية وقواعدها دورًا في فهم كتاب الله تعالى.
فقرآن بغير الضوابط التي اتفق عليها المفسرون من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، وبغير أسباب نزول، وبغير فهم للتدرج في التشريع الذي سمّاه بعض العلماء «النسخ» وبغير الضوابط التي وضعها الأصوليون لفهم النص القرآني، وبغير قواعد اللغة العربية التي تعين على فهم القرآن الكريم، نقول: قرآن بغير هذا لن يكون هو القرآن المنزل على محمد ﷺ ولا المتعبد بتلاوته وأحكامه، بل إننا سنخلص من هذا كله بأن نختزل القرآن الكريم في فهم جمال البنا فقط الذي يفسره بعقله هو فقط.
أما السنة النبوية المطهرة فقد نفى أن يكون لها دور مستقل في التشريع يكمل القرآن ويضبط فهمنا له، فالرسول المعصوم في زعمه لا يعدو أن يكون «رجل بريد» جاءنا بهذا القرآن من عند الله وانتهى دوره عند هذا الحد، ولو اعترفنا بدوره فهذا الدور يرتبط بعصره هو فقط وما تلاه من عصور كانت شبيهة بعصره، أما في زماننا نحن الآن، زمن الذرة والمجرة، زمن السموات المفتوحة، وثورة الاتصالات فنحن أدرى بهذا الزمان من رسول الله ﷺ.
فهو يشبه السنة بالنقاط التي على الحروف، والحروف هي القرآن الكريم، فإذا نظرنا للنقاط بمعزل عن الحروف فإننا لن نفهم شيئًا، لكن الحروف بشيء من التأمل يمكننا فهم معانيها وبخاصة إذا عرفنا أن الصحابة لم يكونوا يعرفون هذه النقط وعلى الرغم من ذلك كانوا يكتبون ويفهمون.
أرأيت استخفافا بمقام النبي ﷺ وصل إلى هذا الحد؟! وبالتالي لا نعجب إن وجدناه في كثير من كتبه يتعلق بالحديث الضعيف، ويرتب عليه الأحكام الفقهية، ويرد الصحيح لأنه لا يعرف كيف يميز بينهما، وهو في الواقع يعرض السنة على عقله لا على القرآن كما يزعم؛ فما وافق عقله قبله وما خالفه رده ولفَظَه دون نظر إلى المتن ولا إلى السند، ولا إلى غير ذلك من ضوابط الفهم الصحيح من سنة النبي ﷺ.
ومن ثَمَّ فهو ينكر أن يكون هناك حديث متواتر بحجة أن المحدثين لم يتفقوا على عدد هذه الأحاديث المتواترة إلا في حديث واحد ثم ينكر أن يكون متواترًا.
وبالتالي لو أخذنا برأيه فمن السهل أن ننكر القرآن كله؛ لأن التواتر هو الطريق الذي ورد إلينا به القرآن الكريم، فإن كنا سننكر الحديث المتواتر فلماذا لا ننكر القرآن الكريم كله؟!
وإذا وصل جمال البنا إلى هذا المستوى فلا عجب أن ينكر أخذ الأحكام من أحاديث الآحاد، ولا عجب من اتهامه كتب الصحاح بأن فيها الضعيف والموضوع؛ لأن ما قاله عن الحديث المتواتر يكفي لرد السنة بأكملها، وعلى الرغم من تكراره أنه لا ينكر السنة فإنه في الواقع لا يتمسك من السنة إلا بما يستدل به على رأيه وفكره.
ثم يقف البنا عند نقطة خطيرة أحسبها من أخطر ما كتب -وإن كان كل ما كتبه خطيرًا- وهي حكمه على السنة -بما تضمنته من تفاصيل وأحكام- بأنها ليست مؤبدة، ولكنها مؤقتة بعهد النبي ﷺ وما شابهه من عهود انتهت الآن. وهذا الأمر ذكره وأكد عليه في أكثر من كتاب من كتبه وليس في كتاب «نحو فقه جديد» فقط.
فاسمع إليه يقول هذا بصراحة ووضوح لا يحتملان لبسًا ولا غموضًا: «والدلالة التي يوحي بها رفض الرسول تدوين كلامه هو أنه لم يشأ لكلامه أن يكون له صفة التأبيد القرآني، وهو الرسول الأمين يعلم أن القرآن لم يشأ لهذه التفاصيل التأبيد.
وليس معنى هذا أنه لا يؤخذ بالسنة، فلم يكن هناك من هو أحرص من الخلفاء الراشدين على تطبيق السنة فيما لم يجدوه في القرآن، ولكن معناه أن السنة تطبق ما ظلت صالحة، كما كان الحال في القرون التي تلت المرحلة النبوية، فإذا أظهر التطور في بعض ما جاءت به قصورًا فعندئذ يعاد إلى القرآن لاستلهام الحل من روحه وجوهره».
ثم يقول في موضع آخر: «لا بد إذن من حكمة توخاها القرآن من عدم ذكر التفاصيل، والحكمة التي تبدو لنا هي أن القرآن لم يرد أن يربط الكليات الملزمة والباقية أبدًا من صلاة وزكاة أو صيام أو حج أو شورى إلخ... بصورة محددة يمكن أن تكون قيدًا على هذه الثوابت، أو عنتًا، أو تحدث عجزًا عن التلاؤم مع الأوضاع المتغيرة...
والله تعالى يعلم أن ستأتي أجيال وأجيال وأن سيؤمن بالإسلام شعوب من أقصى الأرض، وأن قد يأتي يوم يدرس فيه الإسلام كما يدرس الثوب، ولا يبقى إلا رجل عجوز أو امرأة فانية يقولون كان قبلنا قوم يقولون لا إله إلا الله فنحن نقولها، ولا يعلمون صلاة ولا زكاة ومع هذا تشفع لهم هذه الكلمة وحدها في النجاة من النار».
وهنا تكمن الخطورة، فإذا كان «جمال البنا» يرى أن تفاصيل الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من الشعائر لم تذكر في القرآن وذكرت في السنة حيث لا يراد لها التأبيد ولكنها نزلت في عصر انقضى ومضى ولن يعود، فيستطيع أي إنسان الآن أن يصلي ركعة واحدة في اليوم عملاً بقول الله تعالى (أقيموا الصلاة) أو حتى يصلي ركعة في عمره كله بالكيفية التي يريدها فلا سجود ولا ركوع ولا قيام؛ لأن ذلك لم يذكر في القرآن مفصلاً، أو يصلي على أحسن تقدير ثلاث ركعات في اليوم والليلة عملاً بقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78].
ويستطيع أن يُخرج أي قدر من المال يسميه زكاة؛ لأن تفاصيل الزكاة لم تُذكر إلا في السنة، والسنة لا يقصد بها التأبيد ولكنها مؤقتة.
ويستطيع أن يصوم رمضان دون أن يخرج السيجارة من فمه أو الشيشة من أمامه كما أفتى «جمال البنا» بذلك؛ فلا السيجارة ولا غيرها حرام وهي لا تفطر الصائم!
والله تعالى أعلى وأعلم.