<p>يوجد آلاف المواقع الإلكترونية التي تعلن الإلحاد وتدعو له، وهناك نشاط إلحادي واسع في العالم الرقمي، وسؤالي هل ساهمت الرقمية في نشر الإلحاد؟</p>
أخي الكريم، التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسان المعاصر هو تحدي الرقمية والذكاء الاصطناعي، الذي تغلغل في كل شيء، ووصل إلى جوانب وخصائص في حياة الإنسان لم يستطع أي ابتكار أو اختراع أن يصل إليها من قبل، وهو تحدٍ كبير لأنه يعيد هيكلة الحياة الإنسانية بالكامل، نحو خصائص جديدة تضعف فيها الروابط الإنسانية، وتقوى علاقة الشخص بالعالم الافتراضي.
الرقمية.. الشيء ونقيضه
أما بخصوص سؤالكم حول مساهمة الرقمية في انتشار الإلحاد، فأود أن أشير إلى أن الرقمية ساهمت في انتشار كل شيء فساهمت في انتشار الشيء ونقيضه على السواء، فساهمت في انتشار التدين الصحيح، وكذلك التدين الفاسد، وساهمت في انتشار التعصب وكذلك ثقافة التسامح، وساهمت في انتشار الإلحاد، والإيمان.
والحقيقة أن الرقمية كان لها دور في إحساسنا بوجود الإلحاد ربما أكثر من مساهمتها في زيادة نسبة الإلحاد، ربما لأن الإلحاد الحالي أصبحت مقولاته غير مقنعة لقطاعات كثيرة من الناس، وأن البديل الذي بات يراه الكثير من هؤلاء هو أن يكون "لاأدري" أو بلا دين، فالإلحاد لا يؤدي به إلى الطمأنينة، كما أن الدين لا يرغب ذلك الشخص في أن يتقيد ببعض تعالميه.
تشير دراسات غربية متعددة إلى أن هناك تحولات في الإيمان الديني في ظل الثورة الرقمية؛ ففي دراسة أجرها مركز "بيو" الأمريكي لأبحاث الدين عام 2023م، ذكرت أن حوالي 22% من الأمريكيين روحانيون دون أن يكونوا متدينين، وأن حوالي 28% وصفوا أنفسهم بأنهم ملحدون أو لاأدريون، ومعنى ذلك أن انشغالات الإيمان والدين قد تبدو من بعيد أنها في تراجع، خاصة أن تلك الإحصاءات تتشابه إلى حد كبير مع مجتمعات كثيرة في أوروبا وأمريكا الشمالية.
لــــــكن تلك الإحصاءات يجب ألا تُقرأ منفردة عن التحولات الجارية في الحقل الديني ذاته، إذ تشير دراسات ميدانية إلى أن أهل الأديان أصبحوا أكثر تفاعلا مع الرقمية، كما أن كثيرًا من دعاة الأديان المؤثرين جماهيريًّا يتواصلون مع مؤيديهم من خلال الرقمية.
الخيارات أكثر تنوعًا
يلاحظ علماء الاجتماع أن تحولات الإيمان في ظل الرقمية، ربما تنبع من أن الخيارات أصبحت أكثر اتساعًا وتنوعًا من الناحية الدينية في ظل الرقمية، كما أن الفرد يستطيع أن يختبر الكثير من المقولات الدينية ويبحث عن صحتها ويقارنها بغيرها بمجهوده الشخصي دون الحاجة إلى المؤسسات والمرجعيات الدينية التقليدية، التي ربما أصبحت قبضتها الروحية والمعرفية أقل في ظل الرقمية مقارنة بالفترات السابقة.
هناك دراسة مهمة أجرتها جامعة "بايلور" الأمريكية عام 2018م قام بها عالم الاجتماع "بول ماكلور" بعنوان "التلاعب بالتكنولوجيا والدين في العصر الرقمي" أشارت إلى أن استخدام الإنترنت قد يقلل من احتمالية الانتماء الكامل للفرد إلى دين معين، وحسب "ماكلور" فإن جيل الألفية الثانية قد تساعدهم الرقمية في تعديل آرائهم الدينية وقد يكونون أقل تشددًا، وأنه "كلما زاد الوقت الذي يقضيه الشخص على الإنترنت، زادت احتمالية عدم انتمائه إلى أي دين".
والحقيقة أن كثافة الاستخدام الرقمي من جانب الشباب، والفترات الزمنية الطويلة التي يقضونها أمام الشاشات أوجد صفات متشابهة بين كثير من هؤلاء في طريقة التفكير والنظر للأمور ومن بينها الدين، ومن ثم فإن تحولات الإيمان في العالم الرقمي قد تتشابه بين أهل الأديان، خاصة أنه على هوامش تلك الأديان توجد الآراء الإلحادية.
لا شك أن الرقمية تغذي الفردانية والانعزالية، في حين أن غالبية الأديان تواجه هذين الأمرين؛ فالشعائر الدينية ذات بعد جماعي، والانعزال لا ترغبه غالبية الأديان.
وفي العالم الرقمي فإن الإعلانات هي مصدر لثراء المواقع الإلكترونية، وربما هذا ما جعل الربحية متضخمة للغاية وقد تأتي على حساب حقيقة الدين نفسه، وكل من الفردانية والنزعة التجارية تغذي العقلية الاستهلاكية وتضعف من انتماء الفرد للمرجعيات الدينية التقليدية، وربما هذا ما يجعل ذلك الشخص أكثر عرضة للآراء الإلحادية خاصة إذا قام الإلحاد بتسويق آرائه عبر الرقمية بصورة جيدة.
لــكن تظل الرقمية تشجع الشيء ونقيضه، غير أن قوة الأديان تظل هي الأقوى في العالم الرقمي، أما الإلحاد فقد يكون أكثر ضجيجًا؛ نظرًا لمقولاته الفجة التي تفقد الإنسان المعنى من حياته، وربما في العالم الرقمي قد يشجع الإلحاد على أن يخرج البعض من الدين ويصبحوا لاأدريين، ولكن تظل للأديان قوتها في العالم الواقعي والافتراضي، ويظل الإلحاد ذا نطاق محدود في هذين العالمين.