<p>هل أصبحنا عبيداً لآلات تتجسس على خصوصياتنا؟! فضيلة الشيخ.. لقد تفاجأنا بشركة زوجتي تُحول مكان العمل إلى سجن إلكتروني! كاميرات تراقب كل نظرة، وبرامج تقرأ رسائلنا الخاصة، وآلات تحلل نبرات أصواتنا.. فأصبح الموظفون يعملون في رعب دائم، وكأنهم تحت مجهر لا يرحم!</p> <p>أسأل: كيف يحكم الشرع على شركة تتجسس على موظفيها بهذه الطرق المخيفة؟ هل يدخل هذا في التجسس المحرم الذي حذر منه ربنا في قوله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا)؟ زوجتي مبرمجة في هذه الشركة.. وهي في حيرة: هل عملها هذا إعانة على الإثم؟ أم أن عليها الاستقالة فوراً؟ خاصة أن بعض الزملاء تم فصلهم بناءً على تقارير آلية ظالمة!</p> <p>المديرون يدّعون أن هذه المراقبة "لحماية الشركة"، ولكننا نرى الموظفين يُطردون لمجرد أن الذكاء الاصطناعي قرر أنهم "غير سعداء" في العمل! فهل هذه حماية أم ظلم صارخ؟</p> <p>الأشد إثارة للصدمة: أن الموظفين لا يعلمون أن كل حركة لهم تُراقب! فهل هذا غدر وخيانة للأمانة؟ أم أن للشركة الحق في فعل أي شيء طالما أننا نعمل لديها؟</p> <p>نحن أمام تقنية خطيرة تمس كرامتنا الإنسانية.. فهل يجوز شرعاً أن نتحول إلى مجرد أرقام في قاعدة بيانات؟ أم أن الإسلام يحمينا من هذا الاستبداد التقني؟</p> <p>والسؤال الأهم: ماذا نفعل عندما تصبح التكنولوجيا أداة للقهر والتحكم في الناس؟ هل نرفضها تماماً؟ أم هناك حلول شرعية توفق بين مصلحة العمل وحقوق العاملين؟</p> <p>ننتظر توجيهكم الكريم.. فقد أصبحنا في حيرة من أمرنا بين الخوف على الرزق والخوف على أخلاقنا وديننا!</p>
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذا الذي ذكره السائل الكريم غلو وتطرف، وغالبًا ما تكون الفضيلة وسط بين رذيلتين، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا...﴾ [البقرة: 143]، ويقول النبي ﷺ "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا".
ومن حق صاحب العمل أن يتابع موظفيه من خلال انضباطهم في الحضور والانصراف، وإنتاجهم في العمل الذي يقومون به، وعلاقتهم ببعضهم، وليس من حقه أن يتجسس عليهم ويحكم عليهم بهذه الآلة الصماء التي لا قلب لها.
أما زوجتك فلا يجوز لها المشاركة في هذه العملية غير الأخلاقية إلا إذا كان وجودها في المكان سيمنع الظلم عن المظلومين أو يخففه على الأقل، وعليها أن تسعى للعمل في مكان آخر فإن وجدته تترك هذا العمل وسيعوضها الله خيرًا منه.
وواجب المسلم تجاه هذه البرامج التمييز بين الصالح والطالح، والغث والسمين، فيأخذ ما يعود عليه وعلى البشرية بالنفع، ويترك ما دون ذلك.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].
ويقول النبي ﷺ: "يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". رواه الترمذي.
ويقول ﷺ: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا".
والشريعة الإسلامية قائمة على الستر وليست على التجسس وفضح الأسرار، لكن للأسف الشديد هؤلاء الذي صنعوا هذه البرامج والتقنيات لا قلب لهم ولا عقل، وستكون هذه التقنيات وبالاً على البشرية جمعاء ما لم يحسنوا استخدامها.
والله تعالى أعلى وأعلم.