<p style="direction: rtl;">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،</p> <p style="direction: rtl;">أنا رجل في أواخر الستينات من عمري، أرمل، أعيش وحدي مع ابنتي الوحيدة التي تبلغ من العمر ٣٢ عامًا، لم تتزوج حتى الآن، وهي موظفة حكومية في وظيفة مرموقة، تخرج للعمل صباحًا وتعود في وقت الظهيرة تقريبًا<span dir="LTR">.</span></p> <p style="direction: rtl;">مشكلتي – التي أتعبتني نفسيًا وجسديًا – أن ابنتي أصبحت عصبية جدًا في تعاملها معي، لا تكاد تدخل من باب الشقة حتى تبدأ بالتأفف والتضجر، تصرخ بصوت عالٍ وتلقي بالكلمات المؤذية لي دون أدنى اعتبار لسني أو وضعي الصحي، بل أحيانًا تصفني بأنني "سلبي وضعيف الشخصية" أو "لا تفهم شيئًا"، وقد تمتد لهجتها لتكون ساخرة وتهكمية بشكل مؤلم<span dir="LTR">.</span></p> <p style="direction: rtl;">في البداية كنت أصبر وأعذرها وأقول إنها تحت ضغط العمل، لكن الأمر لم يعد يُحتمل، إذ أصبحت تعاملني بجفاء حتى في التفاصيل اليومية، كأن تطلب الطعام بشكل فظ، أو ترد باستهزاء إن سألتها عن أمر ما، أو حتى تتركني بالساعات دون كلمة أو اهتمام، وإن حاولت أن أتكلم معها أو أفتح نقاشًا بسيطًا، ترد علي بانفعال حاد وتتهمني بالتدخل في خصوصياتها<span dir="LTR">.</span></p> <p style="direction: rtl;">أنا رجل طيب، لم أقصر في حقها يومًا، وأعيش على ذكريات أمها – رحمها الله – وأمني النفس بكلمة طيبة منها تسعد قلبي، لكنها لا تبالي، ولا يظهر منها أي تقدير لوجودي، حتى إني صرت أتحاشى الجلوس معها أو الحديث إليها، وأعيش في البيت وكأنني "غريب" أو "عبء ثقيل".</p> <p style="direction: rtl;">أنا متعب، نفسياً وبدنياً، وأشعر أن قلبي لم يعد يحتمل هذا الضغط... فماذا أفعل معها؟ هل أخطأت في شيء؟ كيف أتعامل مع هذه القسوة؟ وهل هناك بصيص أمل أن تعود لابنة حنونة كما كانت؟</p> <p style="direction: rtl;">أرجو مساعدتكم<span dir="LTR">...</span></p> <p style="direction: rtl;">والد متألم<span dir="LTR">.</span></p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا والدي الكريم،
أولًا: قلبي معك، وأشعر جيدًا بما ألمّ بك من تعب نفسي وعاطفي، فأنت لا تطلب من الدنيا الكثير، فقط قلبًا حنونًا ووجهًا بشوشًا يخفف عنك وحشة الكِبَر، ويملأ أيامك أنسًا ورحمة.. وإن كنتَ لم تجد ذلك من أقرب الناس إليك، فإن ألمك مضاعف، ولا يُستهان به أبدًا.
ثانيًا: دعني أحيي فيك هذا الوعي والهدوء، وهذا الحرص على عدم التصعيد رغم ما تتعرض له من أذى نفسي واضح. كثيرون كانوا ليستسلموا للغضب أو القطيعة، لكنك لجأت للاستشارة، تسأل لا لتؤذي، بل لتُصلح، وتلك منزلة عالية عند الله، كما قال عز وجل: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
ثالثًا: لن أبرر لابنتك أفعالها معك، ولكن فقط نحتاج لنفهم أن سلوك ابنتك الخارجي – رغم قسوته – قد يكون تعبيرًا عن صراع داخلي مكتوم تعيشه دون أن تصرح به. وربما تعاني مما يُعرف بـ Chronic Emotional Fatigue أو الإرهاق العاطفي المزمن، وهو حالة نفسية تصيب بعض الأشخاص بسبب ضغوط الحياة والعمل، خاصة إذا تراكمت مشاعر الإحباط، والوحدة، وتضارب الأدوار بين متطلبات العمل والأسرة.
قد تكون ابنتك – دون وعي منها – تحمل في قلبها شعورًا بالحرمان أو الغضب المكبوت، كأنها تعاتب الظروف على تأخر زواجها، أو تحمل نفسها فوق طاقتها، فتُسقط هذا الغضب عليكَ، ليس لأنك السبب، بل لأنك أقرب شخص غير قادر على ردّ الإيذاء... وهذا ما يُعرف في علم النفس بـ(الإزاحة العدوانية).
لكن هذا لا يُبرر أبدًا ما تقوم به، كما ذكرت ولا يعطيها الحق في أن تهينك أو ترفع صوتها عليك، فبرّ الوالدين واجب لا يسقط تحت ضغط العمل ولا تقلبات النفس.
رابعًا: رغم أنك في سن تستحق فيها الراحة والهدوء، فإنك – بحكمتك وصبرك – ما زلت تمثّل مرآة أخلاقية وسلوكية لها، ودورك الأبوي ما زال فاعلًا، وقد آن الأوان لتتخذ بعض الخطوات العملية التربوية، لكن بهدوء ورحمة، كالآتي:
١- افصل بين وقت الانفعال ووقت النقاش..
فلا تحاورها وهي غاضبة أو عائدة من العمل؛ فالعقل في هذه اللحظات يكون في وضع fight or flight) ) القتال أو الهروب، وليس مستعدًا للتفاهم.
٢- اختر وقتًا هادئًا لتفتح قلبك لها..
حدثها حديث الأب الحنون، لا المشتكي، واجعل حديثك قائمًا على مشاعرك لا على لومك، كأن تقول: "أنا لم أعد أحتمل البُعد النفسي بيني وبينك، يا ابنتي... قلبي يحتاج إلى حنانك، وقد طالت غربتي في البيت، وأنا أشتاق لكِ".
٣- استخدم أسلوب "رسائل الأنا" أو "I-messages"
بدلًا من قول: "أنتِ تؤذينني بصراخك"، قل: "أشعر بالحزن حين يعلو صوتك في وجهي، وأتمنى لو نعيش معًا بسلام".
٤- ابحث عن مصدر حقيقي لمعاناتها..
هل تشعر بالضغط؟ بالاكتئاب؟ بالإحباط من تأخر الزواج؟ يمكنك اقتراح جلسة مع مستشار نفسي أو أسري، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
٥- ضع حدودًا هادئة ولكن واضحة..
بمعني ألا تقبل الإهانة أو التقليل من شأنك، بل أخبرها أن الاحترام واجب لا نقاش فيه، كما قال النبي ﷺ: "ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا".
٦- اشغل وقتك بما يسعدك..
نعم، لا تجعل يومك كله معلقًا بانتظارها أو بردود فعلها؛ ابحث عن أنشطة تُفرح قلبك، اقرأ، زر الأقارب، مارس هواية، أو انضم لنادٍ للمسنين، فوجود البدائل النفسية مهم جدًّا لتقوية الـ(Self-worth) قيمة الذات.
خامسًا: اعلم والدي العزيز أنك مأجور على صبرك، فالله تعالى يقول: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، وكل لحظة أذى تتحملها من أجل المحافظة على العلاقة، هي لك عند الله رصيد لا يضيع.
وذكّرها دائمًا بلطف أن "بر الوالدين باب واسع من أبواب الجنة"، فلتخشَ الله فيك.
ولا تمل من الدعاء لها بالهداية وصلاح الحال.
سادسًا: حاول أن تستعين بإحدى صديقاتها أو أحد الأقارب المحببين لها للتحدث معها بأسلوب رقيق فإن من البيان لسحرًا ويرقق القلوب.
سابعًا: رسالتي لابنتك (إن وصلت إليها):
ابنتي، إن الأب –وإن كبر– يظل قلبه طفلًا في حاجة إلى كلمة طيبة، ونظرة حنان، وأبسط درجات الاحترام؛ فلا تكوني ممن قال الله فيهم: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، ووالدك ما قال لكِ يومًا "أفٍّ"، بل احتملك، وربّاك، ولا يزال يفتح قلبه لك رغم الجفاء...
فعودي إليه، لا كموظفة أنهكها الدوام، بل كابنة تشتاق إلى أن تبرّ والدها وتشفي قلبه.. وفرصتك الآن أن تغتنمي كثيرًا من الحسنات برضاه عنك قبل فوات الأوان حيث لا ينفع ندم، بارك الله لك في عمره.
* وهمسة أخيرة لوالدنا العزيز:
يا والدنا العزيز، أنت لست وحدك.. فأنت عند الله مُكرَّم، وعندنا مُقدَّر، وسنظل ندعو لك بالصبر الجميل والفرج القريب، وأن يُلين الله قلب ابنتك، ويرزقك منها برًّا ووصالًا.
واعلم أن الله إذا أراد بعبده خيرًا، جعل له من كل همّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل قلب قاس هدى ورِقّة. دمتَ في أمان الله ورعايته.