<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، دكتور، كثير من الناس يحلم ويتمنى وبعض الناس يقول إن الأماني خدع ومستحيلة، فعالم الأمنيات هل يدخل في الحقيقة أم الخيال والمستحيل، وكيف يتمنى الإنسان ويحدد أمنياته، وما الطريق لتحقيق هذه الأمنيات؟</p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحبًا بك أخي الفاضل على موقع استشارات المجتمع، وبعد:
فعالم الأمنيات عالم حقيقي فضاؤه واسع، لا بد من التهيئة له، وعلى الإنسان أن يسبح في بحر الأمنيات ويأخذ أغلى وأثمن ما فيه، وأن يطلب العلا دوما.
أخي الكريم، يستطيع الإنسان أن يتميز بما آتاه الله من قدرات عجيبة أودعها الله فيه، هل خطر على بالك أن تمسك بحبة بطاطس ثم تأتي بعود مصاص، هذا العود المصنوع من مادة البلاستيك، هذا العود الأجوف، هل خطر على بالك أن تضرب بهذا العود المصاص حبة البطاطس الطازجة فيخرقها من أعلاها إلى أسفلها؟
قد يشعر بعض الناس بأن هذه العملية عملية صعبة، لكن أقول التجربة خير برهان، فعليك أن تأخذ حبة بطاطس طازجة وأن تأتي بعود مصاص وتضرب على نقطة واحدة مع التركيز، ثم انظر كيف لهذا العود الضعيف أن يخترق الحبة اليابسة؟
الإنسان يستطيع أن يتميز إذا عزم على ذلك، هناك ظواهر لا تخطر على بال أحد، كلها تشير إلى أن للإنسان قدرات عجيبة، لكن الأمر يتطلب أن يتخذ هذا الإنسان قرارًا باقتحام عالم التميز.
والآن –أخي- "عالم الأمنيات" كبير فاطلب أعلى وأغلى الأمنيات، وسأبين لك هذا من خلال حديث نبوي شريف، يروي هذا الحديث ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ ومن أهل الصُّفة، يقول: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي عليه الصلاة والسلام يوما: سلني ما شئت؟ فقال ربيعة: أمهلني برهة من الزمن، فأمهله رسول الله ﷺ برهة من الزمن، ثم قال ربيعة: أسألك مرافقتك الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: أو غير ذاك؟ قلت: هو ذاك، فقال عليه الصلاة والسلام: فأعني على نفسك بكثرة السجود".
أخي الفاضل، هل لاحظت في هذا الحديث الرائع أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدفع بالصحابة دفعًا لتحديد أمنياتهم، هناك أربع قضايا في هذا الحديث، وهي القضايا الأربعة التي سنشكل من خلالها معادلة تحديد الأمنيات، هذه المعادلة جمعناها لكم في كلمة واحدة وهي (اسمع كلامي وأنا أخوك).
أربعة حروف وهي (أ. خ. و. ك)، الألف تمثل (استعن) بمن هو أهل للاستعانة لتحديد أمنياتكم، استعن بالله، استعن بأهل التخصص، استعن بالقدوات.
الحرف الثاني هو الخاء ويمثل (خذ برهة من الزمن) في التفكير، كما فعل ربيعة وقال للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: (أمهلني برهة من الزمن)، خذ برهة من الزمن للتفكير ولا تقم بتحديد أمنياتك على عجلة من أمرك، الأمنية ضرورية جدًّا ويلزمها وقت لتحديدها.
ثم يأتي الحرف الثالث (وضح الأمنيات في ذهنك)، وهذا واضح من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام حينما قال: (أو غير ذاك؟) قال ربيعة: (هو ذاك). إذًا فالأمنية واضحة في ذهنه، وهي مرافقة الرسول ﷺ في الجنة.
أما الحرف الرابع حرف الكاف من معادلة "أخوك" فهو (كن مبتكرًا في اختيار أمنياتك)، فهل يوجد ابتكار في اختيار الأمنية؟ نعم..
وانظر إلى ربيعة كيف كان مبتكرًا في اختيار أمنيته حيث كانت أمنية بعيدة الأمد، يحصل عليها في الآخرة، في الجنة.
أخي الكريم، لا بد من الإشارة هنا إلى أن الإنسان الذي يعيش في هذه الحياة من دون أمنيات هو إنسان فاشل، هو أقرب للفشل منه للنجاح، لك أن تتصور إنسانًا يسير في هذه الحياة من دون أمنيات.
سنتعرف فيما بعد إلى أن الأمنيات دائما تؤدي إلى تحديد الأهداف في الحياة، وتؤدي إلى التخطيط في الحياة، وتؤدي إلى تحديد الغايات في الحياة.
لك أن تتصور معي كيف للإنسان أن يعيش في حياة من دون أهداف، من دون خطة، من دون غايات، وهذا يعني بأن لا أمنيات لديه، لأن الأهداف والخطة والغايات تأتي من الأمنيات، والأمنيات من صفاتها أنها غير محددة بزمن، أنها غير محددة بأشخاص، هكذا على إطلاقها من دون قيود، من دون حدود.
عجائب التفكير بلا حدود
فلتقرأ –أخي- هذه القصة من كتاب (the magic of thinking big) يعني "عجائب التفكير العظيم"، دعنا ننظر ماذا يوجد في مقدمة هذا الكتاب، فيها قصة للقاء دار بين مسئول كبير في شركة وموظفين كبار في تلك الشركة.
نائب الرئيس في تلك الشركة، والمسئول عن التسويق في تلك الشركة، استدعى مجموعة من كبار الموظفين في تلك الشركة قال لهم (حتى نسهل العملية سنعطي ألقابا): انظروا إلى هذا الموظف البسيط (عبد الله)، لكنه في هذه السنة حقق دخلا ماليا قدره 60.000 دولار، وهذا يعادل 5 أضعاف دخل كل واحد منكم.
وأريد الآن من كل واحد فيكم أن ينظر بتمعن إلى (عبد الله)، ماذا لديه الذي مكّنه من تحقيق هذا الدخل مما لا تملكونه، هل لديه 5 أضعاف ذكائكم؟ بالطبع لا، إذ تفيد شخصيته أنه إنسان عادي، ولقد سألت رئيسة الشركة فأيدتني في ذلك.
وهل عبد الله يعمل 5 أضعاف النشاط الذي تعملون به؟ بالطبع لا، إذ تفيد تقاريره السنوية أنه يطلب استئذانات وإجازات أكثر من أي واحد منكم.
هل عبد الله تهيأت له ظروف مالية أفضل منكم؟ بالطلع لا، إذ يعلم الجميع أنه يعادل أي واحد منكم.
هل لعبد الله فرص للتعليم أكثر منكم، أو فرص الصحة والعافية أكثر منكم؟ بالطبع لا، فالجميع يعلم أنه إنسان طبيعي في جميع أموره ما عدا أمر واحد، الفرق بينكم وبينه هو أنه يفكر بأسلوب عظيم، وله أمنيات عظيمة توازي 5 أضعاف أمنيات أي واحد منكم.
عرفتم معي سر نجاح عبد الله؟ هو الأمنيات العظيمة التي تحلى بها عبد الله، ويفتقدها غيره من الموظفين.
أخي الكريم، عليك أن تدخل عالم الأمنيات، لكن استعد قبل الدخول فيه، وفكر في أمنيتك قبل أن تطلبها، ولتكن أمنيتك واضحة، ثم اعمل على تحقيقها بالتخطيط والاجتهاد، فلا يوجد شيء بلا ثمن. وفقك الله وحقق أمنياتك وجعلها خيرًا لك.