الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : قضايا التعدد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
25 - رقم الاستشارة : 3979
29/01/2026
أنا مشكــلتي أني متروكة من زمان اتجوز علي وتركني أنا و٤ أولاد ((وما بدي أكتب عن حجم المعــاناة اللي عيشني ياها والظـلم)) عدى العمر وراح! وهو مع زوجته وولاده وفي بيته لا يربطني فيه أي علاقــة سوا المادية فقط حتى البيت ما بيدخل عندنا.
زوجي تعرض لمشــاكل صحية ولما زاد وضعه سوء ((الله بشفيه)) هسه تذكروا أنهم يجيبوه عندي أقوم فيه آخر العمر بحجة ان بناته بيتعلموا واولاده بيشتغلوا مش معقول هسه يجي يقابلني وهو وضعه هيك!!
أهلي وأهله وكل المحيط عارضوا قراري وصرت أنا بنظرهم جافية وقاســية ومش بنت أصل، وأهل زوجي هسه زعلوا والبعض منهم قطـعوا علاقـتهم فيي.
أنا مش شايفة أني مخطئة ومستحيل أغير قراري ما بدي أشوفه لا هو ومريض ولا وهو سليم وبتمنى من ربي يشفيه بس مبدي المحه مش ملاقية أي سبب يخليني أشفع له أاو أغفر أو حتى أتقبله والله ما بحس أني كنت بيوم مرته.
أرجوكم تفيدوني الكل انقلـب علي اللي هم بنفسهم بيشهدوا كيف نبذني أنا و٤ أطفال صغار، شوروا علي بكل ضمـير أرجوكم.
أختي الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.. لقد ظُلمت -يا عزيزتي- لسنوات طويلة، فما أقسى تعبيرك "تركت"، لقد تركك هذا الرجل وأنت في ريعان شبابك ومعك من الأطفال أربعة.. أعلم أنني مهما كتبت فلن أستطيع وصف تعبك ومعاناتك وألمك وجرحك وانكسارك، وأعلم أن هذه الجروح لم تزل في قلبك حية ربما تكون هادئة.. مغلقة سطحية، لكنها حية تشعرين بوجعها المرتد بين الحين والآخر.
أعلم أنك أمضيت السنوات تحاولين التماسك ولعق جروحك حتى تستقر حياتك وتستطيعي العيش، لكن المفاجأة المدهشة أنه في اللحظة التي بدأت تشعرين فيها بشيء من الاستقرار رغم الوجع جاءتك رسالة من الماضي.. الرجل الذي ظلمك وتركك أنت وأولادك مريض!.. الرجل الذي جرحك وآذاك يطلب مساعدتك ودعمك!
من الطبيعي جدًّا أن تشعري بالصدمة والاضطراب.. من الطبيعي أن تشعري بجروحك التي تحاولين غلقها وقد فتحت كلها وبقسوة.. الماضي الذي ظننته الماضي عاد ليصبح الحاضر وعندما رفضت فوجئت باتهامات من الجميع من أهلك وأهله.. من هؤلاء الذين كانوا يرونك مظلومة جريحة على مدار سنوات وفجأة أصبحت جافية قاسية وامرأة بلا أصل لأنك قلت "لا" لا أستطيع هذه المهمة.
أنت -يا غاليتي- حتى لم تحصلي على اعتذار على هذه السنوات الطويلة من الظلم.. هذا الرجل وهو على فراش المرض لم يطلب منك أن تسامحيه قبل أن يحاسبه الله عز وجل على هذه المظالم، قد ثبت أن النبي ﷺ قال: من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط. وفي رواية إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط. وفي رواية: فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل.
أختي الكريمة، إذا كان الأمر كما كتبته فعلاً، وأنه تركك كل هذه السنوات ولم يمنحك حقوقك ولم تكن هذه رغبتك أو اتفاقك معه، فهو قد ارتكب إثمًا متعديًا وإن لم تسامحيه على ما فعله فهو على خطر كبير.
الآن بدلاً من طلب السماح مطلوب منك الخدمة والتمريض، وأنت الآن -يا عزيزتي- أمام أحد خيارين سأشرحهما لك بكل موضوعية والخيار لك.
العدالة مع الزوج الظالم
الخيار الأول هو خيار العدالة: التعامل معه بعدل.. هذا الرجل لم يمنحك شيئًا تستندين عليه، وبالتالي فمن حقك تمامًا رفض خدمته وتمريضه.. بل من حقك طلب الطلاق أو الخلع إذا كان بقاؤك كزوجة له يفرض عليك دعمه ومساندته.
كل ما كتبته لك في السطور الماضية يدعم خيار العدالة.
أهلك وأهله والمجتمع كله لم يقاسِ ليلة واحدة مما عشته أنت، فليس من حقهم أن يحكموا عليك أو يفرضوا عليك شيئًا.. من أراد أن يقاطعك فليقاطعك ومن أراد أن يظلمك فليظلمك.. ليس عليك أن تنحني لهم أو تسعي لإرضائهم أو تخشي من حكمهم.
أهله بالذات على أي شيء يستندون وقد تابعوا مسلسل الظلم لسنوات ولم يتحركوا.. أم أنهم يخافون أن يتحملوا هم المسئولية؟
ثم أين زوجته الأخرى التي عاش معها عمره من مرضه وتعبه؟!
على أي حال إذا رفضت عودته وخدمته فهذا حقك لأنك لا تطلبين غير العدل.. لكن انتبهي ليس من حقك أبدًا أن توغري صدور أولادك على أبيهم.. ليس من حقك منعهم عن أبيهم.. بل واجبك كأم يحتم عليك أن تطلبي منهم بشكل صريح وقاطع أن يخدموا والدهم ويمرضوه، فليس معنى أنه ظلمك أن تمنعيهم من كامل بره.. حتى لو ظلم أولاده وقصر معهم فواجبهم الشرعي نحوه أن يخدموه.. ومن حقه الانتقال إلى البيت فهو بيته الذي ينفق عليه ويجب أن تمارسي كل الضغوط والتأثير على أولادك كي يساعدوه حتى لو كان إخوتهم غير الأشقاء لا يساعدون.. هذا واجبك الشرعي والإنساني وإن تقاعست عنه تدخلين أنت في دائرة الظلم الذي ذقت مرارتها من قبل.
أختي الغالية، أنت صاحبة قلب نقي.. لم تشمتي فيه بل تدعين الله له بالشفاء، فإياك أن تظلميه أو تظلمي أولادك أو تظلمي نفسك بمنعهم من بره أو حتى عدم حثهم عليه.
الإحسان والإنسانية الراقية
غاليتي، صاحبة القلب النقي مع اعترافي لك على مدار كل السطور الماضية في حقك في الشعور بالظلم، وحقك في التمسك بحقك في العدالة، وحقك ألا تنصاعي لظلم المجتمع وفرض صورة الزوجة المضحية عليك، وحقك ألا تأبهي بمن يقاطعك، بل وحقك في الإصرار على الاعتذار وعدم العفو إلا إذا حصلت على اعتذار مناسب.. مع اعترافي لك بذلك كله.. ومع عدم فهمي للأسباب التي دفعت الزوجة الثانية الذي يعيش معها طول هذه السنوات للتخلي عنه.. إلا أن هناك خيارًا آخر راقيًا لا يستطيعه إلا أصحاب الضمائر الشفافة المرهفة.. خيار العفو والإحسان.
أختي الغالية، إنه خيار الصديق أبي بكر عندما قرر أن يتعامل بعدالة مع ابن خالته الذي كان ينفق عليه والذي لم يتورع عن الخوض في عرض ابنته أم المؤمنين عائشة، فأقسم الصديق أن يعامله بخيار العدالة ويوقف النفقة التي كان يدفعها له فأنزل الله قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة يحث الصديق (ومن في نفس موقفه) على العفو ويضع عفو الإنسان عن أخيه الإنسان الظالم كعمل صالح يرجو به عفو ربه ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فلما سمعها الصديق قال: "بلى أنا أحب أن يغفر الله لي"، والآن اسألي نفسك وأنت.. ألا تحبين أن يغفر الله لك؟
العفو مرتبة راقية لا يستطيعها الكثير من الناس والإحسان مرتبة أكثر رقيًّا لا يستطيعها الأغلبية من البشر ولا يمكن أن تتم إلا برضا نفس ويقين كبير واستناد حقيقي على الخالق عز وجل.. مرتبة يمكنك أن تجاهدي حتى تصلي إليها.. صعبة ولكنها ليست مستحيلة يقول سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
في الآية السابقة لهذه الآية دعوة للمسارعة إلى المغفرة ودعوة لجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.. وفي هذه الآية يتحدث الله عن صفات هؤلاء المتقين، فلِمَ لا تكوني منهم حتى تبدلي أيام الشقاء والألم والحزن والانكسار لفرح خالص وسعادة دائمة؟
وهذه هي الشروط فكري ثم اختاري:
· النفقة في السراء والضراء.. النفقة قد تكون مالاً وقد تكون خدمة وقد تكون مساعدة لمريض عاجز، السراء معروفة زوج محب حنون أعطى الكثير تخدمينه بكل حب ورضا، لكن الضراء تشبه حالتك.. زوج ظالم قاس تركك وهجرك لكنه يحتاجك الآن، فهل تستطيعين منح هذه النفقة ثمنًا لجنة عرضها السماوات والأرض؟
· كظم الغيظ، وأظنك تقومين به لسنوات طويلة، لكن كظم الغيظ وحده يراكم الغضب ويراكم الضغط ولا بد من التنفيس، لذلك جاءت الخطوة التالية.
· العافين عن الناس.. العفو.. السماح بالرحيل.. رحيل الذكريات المؤلمة الموجعة التي تحرق الروح.. جربي أن تهمسي لقلبك: لقد عفوت عنه ابتغاء رضا الله.. لا تستطيعين.. قولي: يارب لا تجعل في قلبي غلا للذين آمنوا.. يارب ارزقني القدرة على العفو ممن ظلمني.
· الإحسان أعلى المراتب على الإطلاق، ثمن سلعة الله الغالية أن تحسني لمن آذاك وظلمك.. لو استطعت العفو سيكون الطريق أمامك ممهدًا إلى الإحسان.
أختي نقية القلب، لا تقولي لن أستطيع فأنت تستطيعين إن أردت.. تستطيعين إن نظرت لرحمة الله وعفوه.. تستطيعين إن استعنت بالله، وعلى الرغم من ذلك لست مجبرة على العفو أو على الإحسان، لكن لعله رزق ساقه الله إليك.. رزق من الأجر العظيم فلا ترفضيه حتى تفكري جيدًا.. أسعد الله قلبك ويسر أمرك وأراك الحق حقًّا، وفي انتظار رسالتك القادمة.
روابط ذات صلة:
التعامل بالفضل أو بالعدل أيهما أولى؟