الإستشارة - المستشار : د. موسى المزيدي
- القسم : إدارية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
256 - رقم الاستشارة : 3994
07/02/2026
العدالة الإدارية في التعامل مع الموظفين بين فترات الذروة والركود من منظور قيمي وشرعي تمر كثير من المهن والأعمال بطبيعتها بفترات ذروة وفترات ركود، وهي سنة معروفة في الأسواق والأعمال الموسمية.
وفي أوقات الذروة، يقدم الموظفون جهدًا استثنائيًا، ويعمل بعضهم لساعات طويلة، وقد يضحون براحتهم ووقتهم الأسري، بل وأحيانًا بوجباتهم، التزامًا منهم بالوقوف مع الإدارة وإنجاح العمل. وفي المقابل، ومع دخول فترات الركود، تتجه بعض الإدارات إلى الاستغناء عن الموظفين أو التشكيك في كفاءتهم، بحجة انخفاض العمل أو الخوف من فقدان المهارات، دون مراعاة لما قدموه في أوقات الذروة. وعليه.
نرجو بيان الرأي الإداري والشرعي في القضايا الآتية: هل يُعد الركود الموسمي مبررًا عادلًا للتخلي عن الموظفين؟ وهل يفقد الموظف مهاراته فعليًا لمجرد مروره بفترة ركود معروفة ومؤقتة؟ وما هو الميزان القيمي والشرعي في الموازنة بين جهد الموظف في أوقات الذروة، وواجب الإدارة الأخلاقي تجاهه في أوقات الركود؟
وإلى أي مدى يُعتبر الالتزام بالعدالة، والرحمة، وحفظ كرامة العامل، سببًا في الاستدامة والبركة في الأعمال من منظور إداري وإيماني؟
كما نرجو توضيح المنهج الإداري الأمثل الذي يحقق التوازن بين متطلبات السوق، والاستقرار الوظيفي، ومقاصد العدل والإحسان التي حثت عليها الشريعة الإسلامية في باب المعاملات والعمل.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، أهلاً ومرحبًا بك في موقع استشارات
المجتمع، وبعد:
فالعدالة
مع الموظفين ليست ترفًا… بل معيار بقاء
تمرّ
كثير من الأعمال والمهن، بطبيعتها، بفترات ذروة وفترات ركود. وهذه سنّة معروفة في
الأسواق، لا تُنكرها الخبرة، ولا يفاجأ بها من يُحسن التخطيط. لكن السؤال الحقيقي
ليس: هل سيأتي الركود؟ بل: كيف تتصرّف الإدارة عندما يأتي؟
في
أوقات الذروة، يُستدعى الموظفون إلى بذلٍ استثنائي:
ساعات
عمل طويلة، ضغط نفسي، تضحيات أسرية، وأحيانًا تنازلات عن الراحة والصحة، بدافع
الالتزام والولاء، ورغبة في إنجاح العمل والوقوف مع المؤسسة في لحظات احتياجها. وهنا يُختبر إخلاص الموظف.
لكن
مع أول موجة ركود، يظهر اختبارٌ آخر... اختبار أخلاق الإدارة.
فبعض
الإدارات، بدل أن تنظر إلى الركود كمرحلة مؤقتة متوقعة، تتعامل معه بوصفه ذريعة: ذريعة للتشكيك في كفاءة الموظفين، أو للتخلّي عنهم، أو لتقليصهم إلى
أرقام في جداول التكلفة، وكأن ما قُدِّم في الذروة لم يكن، وكأن الوفاء قيمة مؤجلة
تُستدعى عند الرخاء فقط.
وهنا
يبرز سؤال العدالة: هل الركود الموسمي مبرر عادل للتخلي عن موظف
أثبت عطاءه في أوقات الذروة؟
من
المنظور الإداري الرشيد، الجواب: لا.
فالركود
المتوقع ليس أزمة طارئة، بل معطى يجب التخطيط له. والإدارة التي تفشل في الاستعداد
له، ثم تُحمّل الموظف وحده كلفته، إنما تُخفي فشلها التخطيطي خلف قرارات قاسية.
أما
الادعاء بأن الموظف "يفقد مهاراته" لمجرد مروره بفترة ركود مؤقتة، فهو
في الغالب تبرير غير علمي.
المهارات
لا تتلاشى بالصمت المؤقت، بل تُمحى بالإهمال الطويل. بل إن من صمد في الذروة
واكتسب خبرة الضغط والعمل المكثف، هو أصل أثمن لا عبء زائد.
ومن
المنظور القيمي والشرعي، فإن علاقة العمل ليست صفقة لحظية، بل عقد أمانة.
العدل
لا يعني فقط دفع الأجر، بل يشمل الوفاء، وحفظ الكرامة، وعدم الغدر عند أول اختبار.
والمؤسسات، كما الأفراد، تُوزن أخلاقيًا في أوقات الشدّة، لا في مواسم الربح.
إن
الميزان العادل بين الذروة والركود يقوم على ثلاثة أصول:
*
الاعتراف بالفضل: فلا يُمحى تاريخ العطاء بسبب ظرف مؤقت.
* تقاسم المخاطر: فالخسارة، كما الربح، مسؤولية مشتركة.
* حفظ الكرامة: حتى عند الاضطرار لقرارات صعبة، تُتخذ بإنسانية
وشفافية.
والتجربة،
قبل القيم، تؤكد أن المؤسسات التي تلتزم بالعدل والرحمة ليست أضعف اقتصاديًّا، بل
أكثر استدامة. تحافظ على رأس مالها البشري، وتستعيد عافيتها
بسرعة، وتكسب ولاءً لا يُشترى بالرواتب وحدها.
أما
الظلم، وإن بدا مريحًا على المدى القصير، فهو قَرضٌ مؤجَّل السداد. يُضعف الثقة، ويهدم الانتماء، ويزرع الخوف بدل المبادرة، حتى لو تأخرت
نتائجه.
في
النهاية، الركود ليس امتحانًا للموظف بقدر ما هو امتحان للقيم الإدارية. والمؤسسة التي تحفظ الإنسان في الضيق، تجد من يحفظها في الرخاء.
فالعدالة
ليست عبئًا على الأعمال... بل شرط بقائها.