تقدير وقت الصلاة والصوم في أعماق البحار والأنفاق والسجون

كيف يُصلي ويصوم من يقيم في محطات أبحاث في أعماق البحار أو تحت الأرض حيث تنعدم العلامات الفلكية كلياً ولعدة أشهر؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تتميز الشريعة الإسلامية بمرونتها وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وقد برزت نوازل فقهية تتعلق ببيئات تنعدم فيها العلامات الفلكية الطبيعية لمعرفة أوقات الصلاة والصيام، كالمحطات في أعماق البحار، أو المخابئ والمنشآت العميقة تحت الأرض، أو في الفضاء الخارجي. ولأن العبادات المؤقتة مرتبطة شرعًا بالعلامات الكونية كطلوع الفجر، وزوال الشمس، وغروبها، فإن غياب هذه العلامات كليًّا يستدعي إعمال قواعد الاجتهاد والتقدير التي أرساها النبي ﷺ لمعالجة اختلال الزمن الطبيعي أو انعدام القدرة على رصده، لضمان استمرار صلة العبد بربه أينما كان.

 

اختصارًا: لا تسقط فريضة الصلاة ولا الصيام عن المقيمين في أماكن تنعدم فيها العلامات الفلكية كليًّا. ويجب عليهم أداء هذه العبادات بناءً على مبدأ "التقدير". ويتم هذا التقدير عبر الاعتماد على الساعات الزمنية وضبط وقتهم إما على توقيت أقرب مدينة أو يابسة إليهم تتمايز فيها الأوقات بوضوح، أو على توقيت البلد الذي انطلقوا منه أو يتبعون له، أو على توقيت مكة المكرمة باعتبارها "أم القرى" ومصدر التشريع.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: الدليل الشرعي التأسيسي

 

اعتمد الفقهاء في هذه النازلة على حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه في صحيح مسلم بشأن أيام المسيح الدجال التي تختل فيها حركة الشمس، حيث قال النبي ﷺ: «يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ». فقال الصحابة: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ».

 

قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: "هذا الحديث أصل في وجوب الصلاة في الأيام التي لا تتمايز فيها الأوقات، بتقديرها واعتبارها بأقرب الأيام التي تتمايز فيها".

 

ثانيًا: آراء العلماء قديمًا

 

ناقش الفقهاء القدامى نظير هذه المسألة فيمن حِيل بينه وبين رؤية السماء لتحديد الأوقات، كالمحبوس في مكان مظلم تحت الأرض.

 

الإمام ابن قدامة المقدسي: قال في كتابه "المغني": "والمحبوس في مَطْمُورَةٍ، ومَنْ اشْتَبَهَ عليه الوَقْتُ... فَعَلَيْهِ الاجْتِهَادُ في مَعْرِفَةِ الوَقْتِ بالأَدِلَّةِ من قراءة جزء، أو عمل يعمله، ويُصَلِّي، فإنْ وافَقَ الوَقْتَ أو ما بَعْدَهُ أجْزَأَهُ"، وذكر الإمام الكاساني من الحنفية: في "بدائع الصنائع" أن المحبوس في موضع مظلم يتحرى الوقت باجتهاده ويبني عليه صلاته وصيامه.

 

وقاس العلماء المعاصرون المنشآت تحت الأرض وأعماق البحار والغواصات على مسألتين: المحبوس في المطمورة، والمناطق القطبية التي يطول فيها الليل أو النهار لأشهر.

 

مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي: أصدر قراره رقم 61 بشأن مواقيت الصلاة والصيام في الأماكن التي تختل فيها العلامات، وجاء فيه: "المناطق التي لا يغيب فيها الشفق... أو يستمر فيها النهار أو الليل إلى 24 ساعة فأكثر... يقدرون أوقات صلواتهم وصيامهم... قياسًا على أقرب بلد تتمايز فيه الأوقات". وهذا ينسحب على من يعيشون في بيئات مغلقة تنعدم فيها العلامات.

 

دار الإفتاء المصرية: في فتاواها المتعلقة برواد الفضاء وطواقم الغواصات البحرية، نصت على وجوب التقدير، وذكرت أن للمكلف في هذه البيئات المنعزلة أن يضبط صلاته وصيامه على "توقيت بلد الانطلاق" البلد الذي بدأ منه رحلته، أو "توقيت مكة المكرمة".

 

الشيخ محمد بن صالح العثيمين: سُئل عن كيفية صلاة من في الغواصات أو تحت الأرض، فأفتى بوجوب التقدير والاعتماد على الساعات، استنادًا إلى حديث "اقدروا له قدره"، موضحًا أن التكليف باقٍ ما دام العقل موجودًا.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في تقدير وقت الصلاة والصوم في أعماق البحار والأنفاق والسجون:

 

 

"المشقة تجلب التيسير": انعدام العلامات الفلكية يمثل مشقة بالغة وعجزًا عن تحديد الأوقات الشرعية بطريقتها الأصلية، فيُيسر الشرع الأمر بالانتقال من الرؤية البصرية إلى التقدير الحسابي وضبط الساعات لتخفيف العنت.

 

"الميسور لا يسقط بالمعسور": عجز المكلف عن معرفة الوقت بالعلامة الكونية وهو الأمر المعسور لا يُسقط عنه أصل الفريضة من الصلاة والصيام وهو الأمر الميسور التي يمكن أداؤها بالتقدير والاعتماد على الزمن.

 

"لا تكليف إلا بمقدور" أو "لا واجب مع عجز": فبما أن المكلف عاجز طبيعيًّا عن رصد حركة الشمس والفجر، يسقط عنه التعلق بالعلامة نفسها، وينتقل التكليف إلى البدل الممكن وهو التقدير.

 

"الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد": إذا اجتهد طاقم المحطة واختاروا توقيتًا كتوقيت أقرب يابسة أو مكة وأدوا عباداتهم بناءً عليه، فعبادتهم صحيحة ولا يُطالبون بقضائها لاحقًا متى ما خرجوا إلى السطح. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

اقدروا له قدره.. الصوم والصلاة إذا اختل ميزان الليل والنهار