أدب الرحلة في الحج، هل اهتم المسلمون بتدوين رحلتهم للحج؟ وهل عرفت حضارتنا العربية أدب الرحلة للحج؟
أخي
الكريم، أخذت
رحلة الحج حظًّا موفورًا من أدب كتب الرحلات، وكتب فيها العلماء والأدباء
والمثقفون المسلمون على امتداد كافة العصور والأزمان، حتى بعض الجواسيس الذين
انغمسوا بين الحجيج بحثًا عن السر في قوة تلك العبادة، دوّنوا رحلتهم.
كانت
رحلة الحج لها تأثيرها التغيري في حياة المسلم الحاج وفي مجتمعه، ولذا لاحظنا أنها
العبادة الوحيدة التي يتصف بها الشخص إذا أداها، فكان لقب "الحاج" له
تأثيره وبريقه ورمزيته في المجتمع المسلم.
كانت
نقطة البداية
يلاحظ
أن أغلب كتب الرحلات في تراثنا العربي، كانت تبدأ من رحلة الحج، ثم يبدأ الرحالة
المسلم في سرد بقية رحلاته، كانت رحلة الحج هي بداية الطريق لعالم الرحلة، ولعلنا
هنا نقتبس نصين يؤكدان هذا الرأي:
الأول: رحلة "ابن جبير أبو الحسن محمد بن أحمد
بن جبير الكناني"، وهو رحالة أندلسي في كتابه "تذكرة بالأخبار عن
اتفاقات الأسفار"، وهو من أقدم كتب الرحلات عن الحج، وقد غادر
"غرناطة" في الأندلس في يوم (شوال 578هـ = فبراير 1183م) وفي رحلته للحج
دوّن مشاهداته والأهوال التي لاقاها في رحلته حتى دخل مكة في (13 ربيع الآخر
579هـ= 5 أغسطس 1182م،) كانت أيامًا شاقة للغاية، ومع نسمات مكة كانت نسمات
الرحمات والسعة في الأرزاق التي اندهش لها "ابن جبير"، وقال عنها:
"وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات، فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ
له المزية على سائر حظوظ البلاد، حتى حللنا بهذه البلاد المباركة، فألفيناها تغص
بالنعم والفواكه: كالتين والعنب والرمان والسفرجل والخوخ والأترج والجوز والمقل
والبطيخ والقثاء والخيار إلى جميع البقول كلها".
الثاني: ما
كتبه الرحالة الشهير "ابن بطوطة محمد بن عبد الله اللواتي" (المتوفى 779
هـ=1377م) والتي استغرقت رحلته (28) عامًا، وكانت رحلة للحج هي المحفز له على
الرحلة والتدوين، وكتب عنها أنها كانت "نقطة البداية" فيقول: "كان
خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب عام 725هـ معتمدًا
حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، منفردًا عن رفيق
آنس بصحبته، وراكب أكون في جملته لباعث على النفس شديد العزائم، وشوق إلى تلك
المعاهد الشريفة كامن في الحيازم" (والحيازم من الحزم والاستعداد التام، وهي
جمع لكلمة حيزوم التي تعني الصدر).
كان
عمر "ابن بطوطة" حينها (21) عامًا، وتحولت رحلة من أداء فريضة الحج إلى
استكشاف العالم، حيث قطع ما يقدر بـ(75) ألف ميل أو ما يزيد على (125) ألف كيلومتر.
تراث
ضخم
ومن
كثرة كتب رحلات الحج، أُلفت كتب ترصد ما كتب عن تلك الرحلة المقدسة، منها:
*
كتاب "أشهر رحلات الحج" لعلامة الجزيرة الشيخ "حمد
الجاسر": وهذا الكتاب يعرض تلخيصًا ونصوصًا مختارة من بعض رحلات الحج
التاريخية.
*
"المختار من الرّحلات الحجازية إلى مكة والمدينة النَّبوية"
لـ"محمد بن حسن الشريف"، والذي اختصر فيه أكثر من عشرين كتابًا من كتب
رحلات الحج القديمة والحديثة.
* "رحلات
الحج" للكاتب السوداني "أحمد محمد محمود" وهو كتاب من عدة
أجزاء، وقدم فيه عددًا من رحلات الحج النادرة، مثل رحلة الحج لأبي حامد الغزالي،
ورحلات الحج المحرمة، التي قام بها الجواسيس الذين وفدوا مكة بعدما انتحلوا صفة
الإسلام، وبعض رحلات الحج التي لم تعد تطبع واختفت نسخها المطبوعة.
*
"رحلات الحج في عيون الرحالة وكتابات الأدباء والمؤرخين" للمؤرخ
"عبد الله بن حمد الحقيل" ويقع في (317) صفحة، وقدم فيه عددًا من
الرحلات النادرة، لبعض الأدباء، مثل: أحمد حسن الزيات، وعباس العقاد، وعبد القادر
الجزايري، وعلي الطنطاوي، وعائشة عبد الرحمن، ومحمد أسد، ورشيد رضا، والحاج
الياباني "عمر ميتسو ياماوكا".
* "كتاب "رحلة الرحلات: مكة في مائة رحلة مغربية ورحلة" للمؤرخ
المغربي الشهير "عبد الله التازي"، وهو كتاب ضخم يقع في جزأين وعدد
صفحاته تزيد على (800) صفحة.
وختامًا
أخي الكريم:
رحلة الحج من الرحلات العظيمة، التي لم يقف القلم أمامها صامتًا، ولكن تحرك ليدون
تلك المشاعر النقية المؤمنة في تلك الرحلة المقدسة.
موضوعات
ذات صلة:
كيف تظهر مفاهيم الإسلام الكبرى في الحج؟
كيف نظر العلمانيون العرب إلى الحج؟