كيف نتقي «الحسد» بالتورية متجنبين الكذب؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">هناك أناس محترمون يكثرون من التورية، ووصل الأمر بهم إلى مرحلة الكذب وتعليم أولادهم وزوجاتهم الكذب، وذلك خوفًا من الحسد ومعرفة الناس أحوالهم، حتى أصبحوا يتلفتون حولهم وهم يسيرون في الشارع. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">فما حدود استخدام التورية؟ <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">وما الحل حتى لا يصل المرء إلى الكذب بسبب التورية؟</span>

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى وعيك وحرصك على معالجة هذه الظاهرة الاجتماعية والسلوكية الحساسة التي تمس جوهر الأخلاق الإسلامية. أسأل الله أن يوفقك لقول الحق والعمل به، وأن يحفظنا وإياك وأهلنا من كل سوء، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...

 

بين الحذر المشروع والوسواس المذموم

 

إن الخوف من الحسد أمر فطري، فقد أقر الشرع بوجوده وأمرنا بالتحصن منه، ولكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الخوف إلى وسواس أو هاجس يسيطر على تصرفات الإنسان، فيجعله يرى في كل عين سهمًا، وفي كل سؤال محاولة لاختراق الخصوصية. حينها، يهرب المرء من أعين الناس ليقع في غضب الله من خلال الكذب وتدريب الأهل عليه، وهذا من مكايد الشيطان؛ إذ يوهم الإنسان بأنه يحمي نعمته بالمعصية، ولا يعلم أن المعصية هي أسرع طريق لزوال النعمة.

 

حدود استخدام التورية

 

التورية في اللغة هي أن يذكر المتكلم لفظًا ظاهرًا له معنيان: قريب غير مراد، وبعيد هو المراد. وهي شرعًا رخصة للتخلص من الحرج أو دفع الضرر دون الوقوع في الكذب الصريح. ولكن هذه الرخصة لها حدود واضحة في الشرع، وهي:

 

1- الحاجة أو المصلحة الراجحة:

 

الأصل في الكلام الصدق والوضوح، ولا يُلجأ للتورية إلا لحاجة، كالإصلاح بين المتخاصمين، أو دفع ظالم، أو حماية خصوصية لا يملك السائل حق الاطلاع عليها، وفي الأثر: «إن في المعاريض مندوحةً عن الكذب». و«مندوحةً» أي: سعةً ومخرجًا.

 

2- ألا تضيع حقًّا ولا تجلب باطلًا:

 

لا يجوز استخدام التورية في القضاء ولا في الحقوق المالية ولا العقود؛ لأنها هنا تصبح نوعًا من التدليس والظلم.

 

3- ألا تصبح عادة وديدنًا:

 

إذا اعتاد المرء على التورية في كل صغيرة وكبيرة، فإنه يفقد مصداقيته أمام الناس وأمام نفسه، وقد يجرُّه ذلك تدريجيًّا إلى الكذب الصريح، وهذا ما حدث في الحالة التي ذكرتَها.

 

4- صدق النية في المعنى الباطن:

 

يجب أن يكون المعنى الذي يقصده المتكلم صحيحًا في نفسه. ومثاله ما ورد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في رحلة الهجرة، حين سأله أحدهم عن النبي ﷺ: من هذا الرجل الذي معك؟ فقال: «هذا هادٍ يهديني السبيل» [رواه البخاري]. ففهم السائل أنه دليل طريق، بينما قصد أبو بكر أنه يهديه إلى طريق الجنة والهدى.

 

كيف لا تتحول التورية إلى كذب؟

 

الحل لا يكمن في إغلاق باب التورية تمامًا؛ بل في ضبطها وتصحيح العقيدة في التعامل مع الحسد والناس. وإليك بعض الخطوات العملية:

 

1- تصحيح مفهوم «الاستعانة على قضاء الحوائج بالكتمان»:

 

يستدل كثيرون بحديث: «استعينوا على نجاحِ حوائِجِكم بالكتمانِ، فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ محسودٌ» [رواه الطبراني، واختلف العلماء حول صحته وضعفه]. وعلى فرض صحته، فالكتمان هنا يعني «عدم التحدث» وليس «قول خلاف الحقيقة». فإذا سألك شخص عن أمر لا تريد إخباره به، فيمكنك الاعتذار بأدب أو تغيير الموضوع، بدلًا من نسج قصص وهمية وتدريب أطفالك عليها.

 

2- الدعاء والتحصين بدلًا من الكذب:

 

قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 64]. فبدلًا من تعليم الأطفال والزوجة إخفاء نعم الله بالكذب، فليعلمهم وليُّهم وليلتزم قبلهم بأذكار الصباح والمساء والأحوال، ففيها الخير العميم، والتحصين والأمن.

 

3- وضع حدود واضحة:

 

المشكلة أحيانًا تكون في الفضوليين، والرد عليهم لا يكون بالكذب، بل بكلمات حازمة ولطيفة مثل: «هذه أمور خاصة بالأسرة نفضل عدم نقاشها»، أو: «الحمد لله، الأمور ميسرة». هذا الصدق يمنح الإنسان هيبة، بينما الكذب والتورية المستمرة تظهر الإنسان بمظهر الضعيف الخائف.

 

4- الحذر من العواقب التربوية:

 

وهذا هو الأخطر؛ فالوالدان اللذان يعلمان أولادهما التورية المستمرة إنما يزرعون في نفوسهم الجُبن والنفاق الاجتماعي. إن الطفل لا يفرِّق بين التورية والكذب. إنه يرى أباه يقول خلاف الواقع فيتعلم أن الكذب هو الأصل، وأن الصدق قيمة ثانوية.

 

وختامًا أخي الفاضل، إن هؤلاء الذين يبالغون في التورية حتى صاروا يتلفتون في الطرقات، قد سجنوا أنفسهم في سجن من الوهم. إن الحسد لا يُدفع بالمعصية، بل يُدفع بالتوكل والتحصين الشرعي. إن الله الذي أعطى النعمة هو الأقدر على حفظها، والكذب لا يحمي النعمة بل يمحق بركتها.

 

ونصيحتي لهؤلاء: عيشوا حياتكم بعفوية المؤمن الواثق بربه، استمتعوا بنعم الله واشكروه عليها بالعمل الصالح، فإذا سُئلتم عما لا تحبون إظهاره، فقولوا: «الحمد لله على كل حال، نسألكم الدعاء بالبركة»، دون حاجة لتحريف الحقائق أو الكذب.

 

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك. اللهم طهِّر ألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من النفاق، وأعيننا من الخيانة. اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا بعنايتك، واجعلنا ممن يتوكلون عليك حق التوكل، فلا يخشون غيرك ولا يرجون سواك. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

الكذب الأبيض

كذبة إبريل!