<p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: "Simplified Arabic", serif;">نسمع حديثًا يُفهم منه أن ذنوب بعض المسلمين تُجعل على اليهود أو النصارى! وقد يثير هذا النص إشكالًا عند غير المسلمين؛ إذ يبدو وكأنه تحميلٌ لإنسانٍ ذنبَ غيره، وهو ما يتعارض مع مبدأ العدل. <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: "Simplified Arabic", serif;">فكيف يُفهم هذا الحديث فهمًا صحيحًا في ضوء قول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾؟ <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: "Simplified Arabic", serif;">وهل في هذا المعنى ما يدل على ظلم غير المسلمين أو تحميلهم ذنوب غيرهم بغير سبب؟ أم أن المقصود هو أن من كان سببًا في إضلال غيره يتحمل وزره ووزر من أضله، دون أن يُنسب إليه ذنب لم يفعله؟</span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: "Simplified Arabic", serif;"><o:p></o:p></span></p><p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: "Simplified Arabic", serif;">نرجو منكم بيان التفسير الصحيح لهذا الحديث كما قرره العلماء، مثل الإمام النووي، مع توضيح كيف ينسجم ذلك مع عدل الله تعالى، حتى تزول الشبهة ويُفهم النص على وجهه الصحيح</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size: 18pt; font-family: "Simplified Arabic", serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span></p>
مرحبًا
بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى حرصك على فهم نصوص دينك فهمًا سديدًا
بعيدًا عن الشبهات. أسأل الله أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويجعلك من الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يثبتنا وإياك على الحق حتى نلقاه، وبعد...
عدل الله
مُطلَق
قبل
الولوج في تأمل الأحاديث، يجب أن نرسخ قاعدة ذهنية وإيمانية كبرى، وهي أن العدل هو
صفة لله عز وجل، وأن الله -سبحانه- لا يظلم مثقال ذرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن
لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]. ومن مقتضيات هذا العدل ألا يُحاسَب
إنسان بجرم لم يرتكبه، أو يُحمَّل وزر غيره، وهذا ما نص عليه القرآن صراحة في أكثر
من موضع، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام:
164].
الحديث المعني
وتخريجه ومناقشته
ورد
في هذا الباب روايات عدة لحديث عن الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن
النبي ﷺ، أبرزها روايتان في صحيح مسلم، هما:
1-
«إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، دَفَعَ اللهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا
أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ» [رواه مسلم].
2-
الرواية التي أشرتَ إليها في سؤالك: «يَجيءُ يَومَ القيامةِ ناسٌ مِنَ المُسلِمينَ
بذُنوبٍ أمثالِ الجِبالِ، فيَغفِرُها اللهُ لهم، ويَضَعُها على اليَهودِ
والنَّصارى».
وهذا
الحديث مختلف في صحته، فرغم أن "مسلم" رواه في صحيحه، فإن
البيهقي قد ضعّفه، وتابعه في ذلك الذهبي وابن حجر. وقد
صححه الألباني في «صحيح الجامع» ثم تراجع، وأعلَّه بالشذوذ في السلسلة
الضعيفة.
وقال البيهقي عنه
في شعب الإيمان: «فهذا حديث شك فيه راويه... وإن كان مسلم بن الحجاج استشهد به في
كتابه فليس هو ممن يُقبل منه ما يخالَف فيه، والذين خالفوه في لفظ الحديث عدد وهو
واحد، وكل واحد ممن خالفه أحفظ منه، فلا معنى للاشتغال بتأويل ما رواه مع خلاف
ظاهر ما رواه الأصول الصحيحة الممهدة في ألا تزر وازرة وزر أخرى».
وقد
حمله النووي على المجاز، ففي شرحه على مسلم قال: «وأما رواية: يجيء يوم
القيامة ناس من المسلمين بذنوب... فمعناه أن الله -تعالى- يغفر تلك الذنوب
للمسلمين ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها، بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم
النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين، ولا بد من هذا التأويل، لقوله تعالى: {ولا تزر
وازرة وزر أخرى}. وقوله: (ويضعها) مجاز، والمراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما
ذكرناه، لكن لما أسقط -سبحانه وتعالى- عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار
سيئاتهم صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين، لكونهم حملوا الإثم الباقي، وهو
إثمهم، ويحتمل أن يكون المراد آثامًا كان للكفار سبب فيها بأن سنُّوها، فتسقط عن
المسلمين بعفو الله -تعالى- ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنُّوها، ومن سنَّ سُنة
سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها».
وقد
ذكر ابن حجر العسقلاني المعنى الذي قاله النووي، وضعَّف الحديث،
ونقل تضعيفه عن البيهقي، وقال في «فتح الباري» مع ذلك: «والكافر لا
يعاقَب بذنب غيره، لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.. فيكون الوضع كناية عن
إبقاء الذنب الذي لحق الكافر بما سنَّه من عمله السيئ، ووضعه عن المؤمن الذي فعله
بما مَنَّ الله به عليه من العفو والشفاعة؛ سواء كان ذلك قبل دخول النار، أو بعد
دخولها والخروج منها بالشفاعة».
وهذا
وجه دقيق جدًّا ينسجم مع العدل؛ فاليهود والنصارى (وغيرهم من أهل الضلال) قد
يكونون هم من سنُّوا المعاصي أو أضلوا المسلمين أو فتنوهم عن دينهم. فالحديث هنا
يتحدث عن نوع معين من الذنوب تحمَّلها الكفار لأنهم كانوا السبب فيها. وقد قال
تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ
أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾
[النحل: 25].
الرد على شبهة الظلم
إن
القول بأن الله يأخذ ذنب المسلم (الزنا أو السرقة مثلًا) ويضعه على ذمة يهودي أو
نصراني لم يرتكب تلك المعصية، هو فهم مغلوط تمامًا وتناقضه نصوص القرآن القاطعة.
فالله لا يعذب أحدًا بذنب غيره: ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَىٰ﴾ [الإسراء: 15].
والكفار
في الحديث هم من استحقوا النار أصلًا بموتهم على الكفر، وليسوا أناسًا أبرياء
وُضعوا في النار لكي يخرج المسلمون!
وختامًا
أخي الكريم، إن نصوص الوحي يصدِّق بعضها بعضًا، وهذه الأحاديث هي بشارة للمؤمن
بعظيم عفو الله، وتحذير للعالمين من سوء عاقبة الكفر الذي يجعل صاحبه حطبًا للنار.
فالله أعدل من أن يَظلِم، وأكرم من أن يعذب بريئًا بجريرة مذنب. وكل إنسان يوم
القيامة مرهون بما كسب، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾
[المدثر: 38].
أسأل
الله أن يجعلنا ممن يستظلون بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وأن يعيذنا من النار ومن
كل عمل يقربنا إليها، وأن يرزقنا الفهم السليم لدينه، والثبات على صراطه المستقيم.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم
آمين.
روابط
ذات صلة: