أنا شاب مسلم أعيش في بلد أوروبي منذ أكثر من خمس سنوات، وشعرت مؤخرًا برغبة في الدعوة إلى الله بين أصدقائي وزملائي، ولكنّني أعيش في مجتمع شديد الحساسية تجاه أي خطاب ديني.. أخشى أن تُفهم نصائحي على أنها تطرف أو تشدد، خاصة مع الصورة المشوهة التي رسمها الإعلام عن الإسلام. فكيف أستطيع أن أدعو إلى ديني بلطفٍ وحكمة دون أن أدخل في صدام أو أتعرض لسوء فهم؟
ابني
المبارك، بارك الله في همّتك ونيتك الصادقة، وما هناك أعظم من أن يحمل المسلم في
قلبه رغبة في تعريف الآخرين بنور الوحي… ولست أول من يواجه هذه المعضلة؛ فالدعوة
في المهجر لها خصوصيتها، وقد وصف الله منهج الداعية بقوله: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ﴾ ووضع في هذه الآية مفتاح النجاح كله: الحكمة.
والحكمة
-أيها الهُمام- تعني قراءة الواقع قبل الكلام، ومعرفة حساسية المجتمع الذي تعيش
فيه، واختيار الوقت، والمفردات، والأسلوب المناسب… والداعية الناجح ليس أكثرهم
حديثًا، بل أكثرهم فهمًا للنفوس.
ركّز
في دعوتك على القيم المشتركة، فهي لغة مفهومة عالميًّا: الرحمة، العدل، الأسرة،
النظافة، الإحسان، احترام الإنسان… هذه كلها أبواب مشرعة لقلوب غير المسلمين، وكان
النبي ﷺ يفتح بها قلوب الناس حتى قبل أن يشـرح تفاصيل الإيمان.
وتذكّر
أنّ أسلوبك أهم من خطابك؛ فالابتسامة، الأدب، الوضوح، احترام الخصوصيات… كلها
أدوات دعوية أقوى من عشـرات المحاضرات. وقد صح عن النبي ﷺ قوله: (إنما بُعثت لأتمم
مكارم الأخلاق)، فلو كان أخلاقه هي الرسالة، فكيف بنا نحن؟!!
وتجنب
الدخول في مناظرات حادة أو معارك عقائدية؛ فهذا لا يثمر إلا نفورًا، بل اجعل دعوتك
هادئة، لطيفة، عملية، تُعنى بالجوهر لا بالشكل.
قدّم
الإسلام باعتباره رحمة لا تهديدًا، وهدى لا صدامًا، ومن أحسن ما يُعرّف الغرب
بالإسلام: المسلم الصالح المشعّ بالخير.
وأنصحك
ختامًا بالآتي:
* ادعُ بأخلاقك قبل لسانك.
* لا تتحدث إلا لمن بدا منه استعداد.
*
اجعل خطابك مبنيًّا على المحبة لا المحاججة.
وأسأل
الله أن يجعلك نورًا في غربة الأرض، وأن يفتح بك قلوبًا غُلّفت بالجهل، وأن يجعلك
لبنة في تجميل صورة الإسلام في حيثما حللت.
وفقكم
الله وزادكم من فضله، ويسر لكم سبل قلوب عباده.
روابط
ذات صلة:
كيف أدعو في المهجر دون صدام ثقافي؟
الدعوة في المهجر دون الاصطدام بثقافة المجتمع
كيف أكون داعية
ناجحة في المهجر دون إثارة حساسية الناس؟