الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الغيبيات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
457 - رقم الاستشارة : 3836
16/01/2026
يا فضيلة الشيخ، قرأت أقوالًا لبعض السلف الصالح، مثل سعيد بن المسيب وعبيد بن عمير، يصفون فيها الشوق الشديد للقاء من مات من أهلهم، لدرجة أن عبيد بن عمير قال لو أيِس من لقائهم لمات كمدًا.
هذا الشوق يلامس قلوبنا نحن الأحياء، فهل يجوز للمسلم الذي يشعر بمثل هذا الشوق والحنين الجارف لأحبابه المتوفين أن يدعو الله صراحةً بتعجيل موته ليلتقي بهم في الآخرة؟ أم أن هذا يتعارض بشكل قاطع مع النهي النبوي الشريف عن تمني الموت؟
وما هو التوجيه النبوي الصحيح لمثل هذه المشاعر؟
مرحبًا بك أيها السائل الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، سائلًا الله -عز وجل- أن يربط على قلبك، وينزل عليك السكينة والوقار، ويجمعك بأحبابك في مستقر رحمته وفي مقعد صدق عند مليك مقتدر، وبعد...
لوعة الفراق وأنس اللقاء
إن مشاعر الشوق إلى الراحلين من الأهل والأحباب هي جمرة تتقد في شغاف القلب، لا يطفئها إلا الصبر أو اللقاء. وما قرأته من أقوال السلف ليس غريبًا على الفطرة البشرية، فقد كان النبي ﷺ يحن إلى خديجة -رضي الله عنها- وكان الصحابة يشتاقون إلى رسول الله ﷺ شوقًا لا تصفه الكلمات.
إن الموت في المنظور الإسلامي ليس فناءً أبدًا؛ بل هو جسر يوصل الحبيب إلى حبيبه، كما قيل لبلال رضي الله عنه عند موته: «واكرباه!»، فقال: «واطرباه! غدًا نلقى الأحبة، محمدًا وحزبه».
حكم الدعاء بتعجيل الموت للقاء الأحبة
على الرغم من نبل هذا الشوق وصدقه، فإنه قد جاء نص صريح ينهى المسلم عن تمني الموت لضُرٍّ نزل به، فكيف بمن يطلبه استعجالًا؟ قال النبي ﷺ: «لا يتمنين أحدكم الموت لضُرٍّ نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» [متفق عليه].
والعلة هنا أن المؤمن كلما طال عمره زاد عمله الصالح، وارتفعت درجاته في الجنة، فربما تكون هذه السنوات التي تقضيها في الدنيا هي التي ترفعك لدرجة أحبابك الذين سبقوك إلى الجنة.
هل يتعارض هذا الشوق مع الصبر؟
الشوق فطرة، لكن الدعاء بتعجيل الموت قد يكون نوعًا من الجزع على قدر الله، أو الاستعجال لملاقاة الجزاء قبل تمام العمل. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. فالصبر على ألم الفراق هو عبادة عظيمة تؤجر عليها، وهي التي تضمن لك اللقاء بهم في أعلى الجنان.
فهم أقوال السلف في الشوق للموت
عندما نقرأ أقوال السلف في شوقهم للموتى، علينا أن نفرق بين شيئين:
- تمني الموت شوقًا لله ولرسوله وللصالحين: وهذا مقام المحبين الذين استأنسوا بالله، وهو تمنٍّ نابع من الرضا واليقين، لا من اليأس والقنوط.
- طلب الموت هروبًا من ألم الحياة: وهذا هو المنهي عنه. لقد كان السلف يشتاقون؛ لكنهم كانوا يترجمون هذا الشوق إلى استعداد، لا إلى استعجال. فالشوق الصادق يحمل صاحبه على الجد في السير، لا على القعود وطلب الرحيل.
التوجيه النبوي الصحيح لهذه المشاعر
بدلًا من الدعاء بتعجيل الموت، أرشدنا الهدي النبوي إلى مسالك أجدى وأنفع لك وللمتوفى:
1- العمل الصالح لرفع الدرجات:
تذكر قول النبي ﷺ: «المرء مع من أحب» [متفق عليه]. فإذا أردت أن تكون معهم في الجنة، فاستثمر حياتك في الطاعات التي تلحقك بهم. فربما يكون حبيبك في درجة عالية من الجنة، وتحتاج أنت إلى سنوات من الاستغفار والصدقة لتصل إلى درجته.
2- تحويل الشوق إلى صلة:
إن الشوق الذي تشعر به هو طاقة كامنة، فصرِّفها في الدعاء، والصدقة، وصلة رحمهم، فهذا ما يمكن أن تقدمه لهم الآن. قال ﷺ: «إن الله -عز وجل- ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك» [رواه أحمد].
3- الدعاء بالخير:
كان من دعاء النبي ﷺ: «واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر» [رواه مسلم]. فادعُ الله أن يبارك في عمرك لتزداد من الخير، حتى إذا لقيتهم، لقيتهم بوجه أبيض وصحائف مليئة بالحسنات. فبقاؤك في الدنيا هو فرصة ذهبية لإرسال الهدايا إليهم، ولزيادة حسناتك ورفع درجاتك.
وختامًا أخي الكريم، إن هذا الحنين الذي يعصر قلبك هو علامة وفاء، وهو دليل على حياة قلبك، فلا تطفئ هذا النور بتمني الرحيل؛ بل أشعله بالعمل الصالح. اجعل من كل دمعة شوقٍ تسبيحة، ومن كل أنَّة حنينٍ استغفارًا.
اللهم يا مؤنس كل وحيد، ويا صاحب كل فريد، ويا قريبًا غير بعيد، ارحم من استوحشت نفوسنا لفراقهم، وأنزل على قبورهم الضياء والفسحة والسرور.
اللهم بارك في عمر أخينا السائل، وأصلح له شأنه، واربط على قلبه ببرد الصبر والرضا، واجمعنا وإياه بمن نحب في الفردوس الأعلى من الجنة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط ذات صلة:
روحٌ مُتعبة في جسد أربعيني.. روتين وعزلة وتمني الموت
سئمت من الحياة بسبب الناس.. هل أتمنى الموت؟