الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التوبة والإنابة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
347 - رقم الاستشارة : 3808
11/01/2026
السلام عليكم.
أنا كنت مبتلى بشرب الدخان ومشاهدة المقاطع الإباحية، وكنت دايم أتوب وأرجع، وتكرر معي هالشيء كثير. لكن الحمد لله الحين لي فترة طويلة قاطعهم تمامًا، وصرت أحس بقلبي كراهية ونفور منهم، يعني صرت أعافهم ولا عاد لي رغبة فيهم أبد.
سؤالي: هل وضعي هذا يعتبر توبة مقبولة؟ لأني سمعت معلومة ضيقت صدري، وهي إن الواحد إذا ترك المعصية لأنه صار ما يشتهيها أو كرهها ما تعتبر توبة. هل هذا الكلام صحيح؟ وهل أنا كذا تائب فعلًا؟ أفيدوني جزاكم الله خير.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ولدي، وأسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يملأ قلبك بنور الإيمان، ويصرف عنك كيد الشيطان، وأن يجعل كراهيتك للمعصية رفعةً لك في الدرجات وطهارةً لك من الآثام، وبعد...
هل النفور من المعصية ينفي التوبة؟
دعني أطمئن قلبك مباشرة: ظنك أن توبتك غير مقبولة لأنك أصبحت تكره المعصية هو ظن غير صحيح على إطلاقه؛ بل إن ما تمر به هو علامة من علامات صدق التوبة وحلاوة الإيمان.
إن هناك خلطًا عند البعض بين من ترك المعصية «عجزًا» (مثل من يترك الخمر لأنه لم يعد يملك ثمنها، أو يترك الزنا لأنه صار عاجزًا جسديًّا)، وهو يهفو لاقترافها، ولو زال عنه العجز لعاد إليها، وبين من تركها لله ثم أكرمه الله بنفور قلبه منها.
فترك العجز هو الذي لا يُسمى توبة؛ لأن النية ما زالت معقودة على المعصية لولا المانع القدرِي.
أما ترك الإنابة فهو ما فعلته أنت؛ بدأتَ بمجاهدة نفسك، والتوبة والرجوع مرارًا، حتى وصل بك الحال إلى أن عافها قلبك. فهذا النفور هو ثمرة التوبة الصحيحة، وليس قادحًا فيها.
ويقول أحد السلف: «إن التوبة النصوح هي التي تخلِّص من كل غش ونقص وعيب، وهي تقتضي استغراق التوبة لجميع الذنوب، وإجماع العزم على ألا يعاودها، وإخلاصها من الشوائب والعلل».
كراهية المعصية من حلاوة الإيمان
إن وصولك لمرحلة أنك تعاف الدخان والمقاطع الإباحية ليس دليلًا على فساد التوبة، بل هو دليل على أن الله قد نقل ذوقك من لذة المعصية الفانية إلى لذة الطاعة الباقية.
لقد قال النبي ﷺ: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» [متفق عليه].
تأمل الحديث؛ جعل «كراهية العودة» ركنًا في تذوق حلاوة الإيمان. فكيف يكون ما هو علامة على الإيمان سببًا في بطلان التوبة؟!
إن كراهيتك للمقاطع والدخان بعد أن كنت مدمنًا عليها هي «منحة» من الله، يجب أن تحمده عليها.
نفور المعصية يحرس التوبة
من الناحية الشرعية، التوبة لها أركان ثلاثة (الإقلاع، والندم، والعزم على عدم العودة).
- أنت أقلعت فعليًا.
- وأنت ندمت، بدليل تكرار توبتك ومراسلتك لنا خوفًا على قبولها.
- وأنت عازم على عدم العودة.
أما النفور الذي تشعر به الآن، فهو «حارس» لهذه الأركان. أنت الآن في مأمن أكبر بفضل الله؛ لأن الشيطان كان يأتيك من باب الشهوة، والآن باب الشهوة لهذه الأمور مغلق بالكراهية والنفور.
يُحكى أن أحد التائبين كان يُسأل: كيف تركت المعصية الفلانية؟ فقال: «والله ما تركتها حتى أراني الله قبحها، فصرت أستقذرها كما أستقذر الميتة». فهنيئًا لك بصيرة القلب.
هل كنت تائبًا فعلًا رغم التكرار؟
تقول في سؤالك: «كنت دايم أتوب وأرجع، وتكرر معي هالشيء كثير». هذا التكرار لا يعني أن توباتك السابقة كانت كاذبة، بل يعني أنك كنت في «جهاد». يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. والنتيجة التي وصلت إليها الآن من النفور هي «الهداية للسبيل» التي وعد الله بها المجاهدين لنفوسهم.
وفي الحديث الشريف: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فأذْنَبَ، فَقالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فأذْنَبَ فَقالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، اعْمَلْ ما شِئْتَ فقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» [رواه مسلم]. ومعنى «اعْمَلْ ما شِئْتَ فقَدْ غَفَرْتُ لكَ» أي: ما دام يذنب ثم يتوب توبة نصوحًا نادمًا، فإن الله يغفر له.
وختامًا يا ولدي، استبشر خيرًا، فإن الله إذا أراد بعبد خيرًا، بغَّض إليه المنكرات وزيَّن في قلبه الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7].
ونصائحي الأخيرة المختصرة لك:
1- لا تلتفت لهذه الوساوس: فالشيطان لما عجز عن إيقاعك في المعصية، أراد أن يُفسد عليك فرحة التوبة بالتشكيك في قبولها.
2- احمد الله دائمًا: على نعمة كراهية المعصية والنفور منها.
3- استمر في الدعاء بالثبات: فالمؤمن قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن.
4- املأ فراغك: ابحث عن أنشطة نافعة تشغل قلبك وعقلك.
أسأل الله مقلب القلوب أن يثبت قلبك، وأن يجعل كراهيتك للمعصية سدًّا منيعًا بينك وبينها، وأن يكتبك عنده من التوابين المتطهرين. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط ذات صلة:
أريد برنامجًا عمليًّا للثبات على التوبة
يؤرقني التقلُّب وعدم الثبات.. كيف أتمسك بزمام الاستقامة؟
ما مصير من كبُرَت سِنُّه وهو يكرر المعصية والتوبة منها؟
التدخين بين الحكم بالكراهة قديما والتحريم حديثا!
«الإباحية» تدمرني.. وسائل عملية للنجاة