الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
19 - رقم الاستشارة : 5398
26/07/2026
قمت ببيع منزلي لشخص، واشترطت عليه في عقد البيع شرطاً صريحاً أن يسمح لي بالسكن في المنزل لمدة ثلاثة أشهر إضافية حتى ينتهي ابني من اختباراته المدرسية وأجد سكناً مناسباً، فوافق المشتري؛ فهل هذا البيع صحيح مع وجود هذا الشرط، أم أنه من باب "بيعتين في بيعة" المنهي عنه؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك، أن الأصل في العقود والمعاملات المالية في الشريعة الإسلامية هو التيسير
والتوسعة على الناس، ومراعاة شروط المتعاقدين ما لم تتضمن ربًا أو غررًا أو
تحليلاً لحرام أو تحريمًا لحلال. وقد جاءت أحكام البيوع لتنظم العلاقة بين البائع
والمشتري بما يحفظ الحقوق ويقطع دابر النزاع.
اختصارًا: البيع
صحيح شرعًا، والشرط نافذ ولازم للمشتري، فيحق لك البقاء في المنزل للمدة المتفق
عليها، ولا حرج عليك في ذلك.
ولا يُعدّ هذا الاتفاق من باب "بيعتين في
بيعة" المنهي عنه، بل هو من باب "اشتراط البائع منفعة معلومة في
المبيع"، وهو شرط صحيح وجائز بناءً على السنة النبوية الصحيحة وقواعد الفقه
الإسلامي، ما دامت المدة محددة ومعلومة للطرفين.
وتفصيلاً:
اختلف الفقهاء في صحة اشتراط البائع منفعة المبيع
كالسكنى في الدار المبيعة مدة معلومة على اتجاهين رئيسيين:
القول الأول: الجواز والصحة
المذهب الحنبلي، والمالكية في المدة اليسيرة، وعامة
الفقهاء المعاصرين، ويرى أصحاب هذا القول أن شرط سكنى الدار المبيعة مدة معلومة هو
شرط صحيح يلزم الوفاء به، والبيع معه صحيح، ودليلهم حديث جابر بن عبد الله رضي
الله عنهما: «أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ لُغِبَ (أُنهك من
التعب) فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ... فَبَاعَهُ
مِنْهُ، وَاسْتَثْنَى جَابِرٌ رُكُوبَهُ إِلَى المَدِينَةِ» رواه البخاري ومسلم،
فالحديث نص صريح في جواز بيع العين مع استثناء نفعها مدة معلومة.
قال الإمام ابن قدامة المقدسي في المغني كتاب البيوع -
باب الشروط في البيع: «النوع الثاني: أن يشترط البائع نفعًا معلومًا في المبيع،
كشرط سكنى الدار شهرًا... فهذا شرط صحيح، والبيع صحيح... ولنا حديث جابر أنه باع
النبي ﷺ جملاً واستثنى ركوبه إلى المدينة».
وأجاز المالكية استثناء المنفعة إذا كانت لمدة معلومة
ولا تؤدي إلى غرر. جاء في الخرشي على مختصر خليل: «وجاز استثناء منفعة مبيع مدة
معلومة يسيرة، كخدمة العبد وسكنى الدار الشهر والشهرين».
وكذا رأي ابن تيمية وابن القيم أن الأصل في الشروط الصحة
والمعاملات مبنية على التراضي، واستثناء المنفعة ليس فيه مانع شرعي.
وحديثًا فقد استقرت مؤسسات الإفتاء على ترجيح هذا القول،
لما فيه من رفع الحرج والتيسير في المعاملات إذا انضبطت المدة، ويحكم أيضًا فيها
العرف، فإن غلب على هذه الشروط أنها مدعاة للتنازع، فينبغي التوقف عنها، وخاصة إذا
كانت معلقة على مجهول (وهو ما لا يجوز)، كإيجاد سكن بديل، فكثيرًا ما تنشأ منازعات
من وراء هذه الشروط.
القول الثاني: عدم الجواز أو إبطال الشرط
يرى الحنفية والشافعية في الأصح عندهم أن هذا الشرط غير
صحيح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد وهو تسليم المبيع فورًا للبائع، واعتبروا حديث جابر
حالة خاصة أو رخصة استثنائية، قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب: «ولو باع
دارًا واستثنى سكناها شهرًا... ففيه أوجه: الأصح بطلان البيع لأن الشرط ينافي
مقتضى العقد».
حقيقة نهي "بيعتين في بيعة" وعلاقته بالمسألة
سؤالك عن اندراج هذا الشرط تحت "بيعتين في
بيعة" يجاب عنه بأن العلماء فسّروا الحديث المنهي عنه بـ أن يقول:
"أبيعك هذا الثوب بعشرة نقدًا أو بعشرين إلى أجل" دون أن يتفقا على أحد
السعرين عند المفارقة، أو بيع العينة بأن يبيعه شيئًا بنسيئة ثم يشتريه منه بنقد
أقل.
أما شرطك بالسكنى لمدة 3 أشهر، فهو عقد بيع واحد تضمن
شرطًا باستثناء منفعة معلومة، وليس فيه عقدان مستقلان ولا تردد في الثمن، فلا يدخل
إطلاقاً في باب "بيعتين في بيعة".
القواعد الفقهية الحاكمة في اشتراط
سكنى البيت مدة محددة بعد بيعه
قاعدة: «الأصل في الشروط في العقود الإباحة والصحة»
لا يُحظر أي شرط بين المتعاقدين إلا إذا ورد نص شرعي
بمنعه أو تحريمه، ولا نص يمنع من استثناء منفعة الدار، بل النص على خلافه كما في
حديث جابر.
قاعدة: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرّم حلالاً أو
أحلّ حرامًا»
توجب هذه القاعدة الوفاء بالشرط المتفق عليه طالما أنه
تم بالتراضي بين البائع والمشتري ودون إلحاق ضرر بأحدهما.
قاعدة: «التعيين يرفع الجهالة والغرر»
اشتراط السكنى لمدة معلومة ومحددة ثلاثة أشهر يمنع
التنازع ويرفع الجهالة، فتصبح المنفعة المستثناة قيّمة ومعلومة للطرفين ومحسوبة
ضمن ثمن البيع، ولا يجوز تعليقها على مجهول كإيجاد سكن مناسب.
قاعدة: «الإعمال أولى من الإهمال»
ما دام المشتري قد وافق على الشرط وصدر العقد بتراضيهما،
فإن إعمال هذا الشرط وفاءً بالعقد أوجب شرعاً من إبطاله. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
عقود الخيارات (Options Contracts) الماهية والحكم الفقهي