الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : العائلة الكبيرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
350 - رقم الاستشارة : 2147
21/07/2025
السلام عليكم، هناك شيء يؤرقني منذ فترة، فمنذ وفاة والدي رحمه الله اصبحت والدتي تبدي تصرفات ما اعتادت عليها قط كأن تصبح مبذرة بشكل مهول، لدينا راتب تقاعدي يعتبر متوسط، ونحن عائلة من خمسة أفراد، بدأت ألاحظ أن والدتي تتغذى نفسيا حينما تبين للآخرين أنها تستطيع الإنفاق بكثرة ولا تأبه للمال وتحب جدا حينما يتملقها الآخرون لهذه الصفة فيها فلا يأتي نصف الشهر إلا ونحن مفلسون ونضطر إلى الاستلاف على البطاقة.
حينما نرأى فيما صرف الراتب تكون اشياء تافهة لا تذكر فليس هناك داع لها، والأطفال حينها يشترون ما طاب لهم بكميات مهولة في اليوم فيصبح وضعنا المادي غير مستقر، وقد صارحتها مرات كثيرة أنه يجب أن تقتصد أكثر فليس كل خروج للسوق ينصرف بحدود الـ ١٠٠ دولار وبأشياء لا تذكر أساسا أي ليست من احتياجاتنا، ودائما إجابة بنفس الرد والتجاهل منها ليأتي نصف الشهر فيأكلها الندم ما الحل بهذه الحالة؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابني الكريم في موقعك الشبكة الالكترونية..
ابني الكريم، رحم الله والدك وغفر له واسكنه فسيح جناته، ولا شك أن فقده أثر فيكم جميعًا وفي والدتك خاصة، وما الإسراف المالي الذي تمارسه والدتك إلا مظهر لهذا القلق الذي تعيشه بعد وفاة الوالد، فكثيرًا ما يرتبط الإنفاق بإحساس السيطرة وكأنها بإنفاقها للمال تشعر أنها في وضع السيطرة على حياتها وحياتكم التي اهتزت بعد غياب الوالد، وكثيرًا ما يرتبط التسوق المبالغ فيه بالرغبة في الخروج من حالة نفسية ليست جيدة، وهذا شائع جدًّا خاصة في الأوساط النسائية.
أنا أريد أن أفسر لك أن هناك دوافع متعددة قد تكون وراء سلوكها المالي الخاطئ والذي يصل لحد الاستدانة على البطاقة وما يرتبط بذلك من فوائد على هذه الديون وهو أمر محرم كما تعلم، وبالتالي فهناك خطورة شديدة عليكم من جراء هذا الإسراف في الإنفاق في النصف الأول من الشهر، فماذا يمكنك أن تفعل هذا ما سأناقشه معك في السطور القادمة.
حب المدح
ذكرت في رسالتك أنك بدأت تلاحظ أن والدتك حفظها الله تتغذى نفسيًّا حينما تبين للآخرين أنها تستطيع الإنفاق بكثرة ولا تأبه للمال وتحب جدًّا حينما يتملقها الآخرون لهذه الصفة فيها.. وأريد أن أخبرك -ابني الكريم- أن كل إنسان على وجه هذه الأرض يحب التقدير ويحب المدح خاصة عندما يعاني في داخله من القلق والخوف فتأتي رسائل المدح والتقدير لتدعمه نفسيًّا وتدفع بمشاعر القلق والخوف بعيدًا عنه، ووالدتك لديها قلق من إدارة أمر العائلة وتسعى للحصول على التقدير حتى تهدئ هذا القلق وهي تحصل على هذا التقدير عن طريق هذا المدح.
وبما أن الناس يمدحونها على كرمها وسعة إنفاقها فكان مدحهم بمثابة تعزيز لهذا السلوك الذي يعتبره البعض كرمًا بينما هناك فارق شاسع بين الكرم والإسراف، فليس من الطبيعي أن يستدين الإنسان كي يكون كريمًا، وهناك فارق شاسع أيضًا بين إشباع احتياجات الأطفال وتعويضهم غياب الوالد وحتى لا يقال إنهم أطفال يتامى يعانون ضغوط الحياة وبين الإسراف في ذلك حتى تصبح مصروفات الأطفال تهدد الميزانية، بل إن هذا الإسراف قد يضر بصحتهم الجسدية والنفسية.
ابني الكريم، لو استطعت أن تشبع عند الوالدة حاجتها للتقدير عن طريق مدحها بصورة صادقة، ولكن في جوانب أخرى من الحياة غير النفقات كاهتمامها بك وبإخوتك الأطفال وقدرتها على الصبر والتحمل، ويمكنك توجيه هذا المدح بصورة دقيقة وذكية لإصلاح الأخطاء المالية التي تقع فيها الوالدة عن طريق مدح إدارتها لشئون العائلة بالشورى والاستماع لآرائكم بحيث تمنحها الفرصة للاستماع لوجهة نظرك في طريقة إنفاق المال..
هذا المدح الموجه يعد تمهيدًا جيدًا جدًّا لعرض وجهة نظرك، بينما النقد الحاد والعتاب الشديد وكثرة اللوم تغلق أبواب الفهم والاستماع وتجعل هناك مقاومة داخلية لكل ما تقول مهما بلغت عقلانيته وقوة حجته.
أولويات الإنفاق
عندما يقترب الشهر من نهايته ستكون والدتك في حالة من الضغط العصبي الشديد نتيجة غياب المال وتراكم الديون أو كما تقول أنت إنها تشعر بأنها يأكلها الندم، وهذا الوقت المناسب لتهدئتها نفسيًّا ومدحها والحديث معها عن نواياها الطيبة وأنه ليس عليها أن تجلد ذاتها وأن لديك أفكارًا مهمة يمكنها أن تخرجها من هذا الواقع المالي المأزوم وأنك على ثقة من انها ستستمع لك وتستجيب، وعندما تحصل على كامل انتباهها ابدأ بوضع خطة للميزانية الشهرية، وهذه بعض أفكار قد تساعدك على ذلك:
* تحديد مبلغ ثابت لدفع الفواتير والمستحقات الثابتة وتسديد جزء من الديون المتراكمة، وليكن هذا المبلغ في حدود 40% من قيمة الراتب التقاعدي، وهذا يحقق لكم الأمان والاستقرار.. هذا المبلغ يتم استقطاعه مباشرة بعد وصول الراتب.
* تحديد مبلغ ثابت للطعام والشراب والدواء ومواد التنظيف ونحو ذلك من الأمور، وليكن هذا المبلغ 30% من الراتب التقاعدي يتم تقسيمهم على أربعة أسابيع بحيث يحدث لون من ألوان التوازن في الإنفاق على مدار الشهر.
* تحديد مبلغ ثابت للأطفال يعطى لهم كل أسبوع كي يتم تدريبهم على حسن إدارة المال، وليكن هذا المبلغ 10% من قيمة الراتب التقاعدي، وهو مبلغ ليس بالقليل أبدًا وليس فيه أي صورة من الحرمان ولن يشعرهم أنهم أقل من جماعة الأقران فهو أكثر من كاف ولكنه لا يصل حد الإسراف والشطط في الإنفاق.
* تحديد مبلغ أيضًا للخروج معًا كأسرة وللنزهات والترفيه حتى لا تشعروا بأي لون من الضغط، بل العكس سوف يتم تعزيز الروابط الأسرية ويمنحكم الدفء ويساعدكم جميعًا على تخطي ألم فقد الوالد وليمثل هذا البند 10% من قيمة الراتب التقاعدي.
* بهذه الميزانية يتبقى 10% للطوارئ أو يتم تحويلها لتسديد الديون، وبعد ذلك يمكن تقسيمها 5% صدقات و5% ادخار ما لم يكن هناك أمر طارئ.
هذا مجرد مقترح لشكل منضبط ومتوازن للميزانية بصور مبدئية، وأنت مطالب بجلسة عصف ذهني مع والدتك وإخوتك الكبار لوضع تصور نهائي لشكل هذه الميزانية، وبمجرد أن يبدا الشهر قم بالإلحاح على والدتك لتطبيق ما تعاهدتم عليه بطريقة مهذبة حتى تظل كرامتكم قائمة وسط الناس، وذكر والدتك أن الناس إذا علمت بالديون المتراكمة عليكم فإنها تقديرها سيسقط بينهم وهو أمر بالتاكيد لا تريده هي ولا تريده أنت أيضًا لها.. امزج في حديثك بين كلمات العقل وبين مشاعرك نحوها حتى تستجيب، وادع الله كثيرًا أن يريكم الحق حقًّا ويرزقكم اتباعه.. أسعد الله قلبوكم ويسر أموركم جميعًا، وتابعنا بأخبارك.