لماذا كثر المتشائمون حولنا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 283
  • رقم الاستشارة : 3250
10/11/2025

لماذا يبدو الناس أكثر تشاؤمًا من ذي قبل، فالوجوه عابسة، والكثير يتوقع الشر، ويشعر بالانقباض مع بعض الأشياء قد يشاهدها في حياته اليومية، فهل التشاؤم هذا فلسفة للحياة أم أنه اختلال في التفكير أم هو مرض نفسي؟

الإجابة 10/11/2025

أخي الكريم، نشاهد في حياتنا وفي أماكن عملنا وشوارعنا علامات التشاؤم تسيطر على معالم الكثير من الوجوه، رغم وجود قدر كاف من الإمكانات المادية، والسعة في الرزق، لكن التشاؤم لا يغادرها، والتشاؤم هو الميل إلى النظرة السلبية للحياة.

 

قد يبرر البعض تشاؤمه بضعف إمكاناته المادية عن إشباع حاجاته وأمنياته، وقد يرجع البعض تشاؤمه إلى تنشئته الاجتماعية أو عوامل وراثية، لكننا في تلك الاستشارة سنتعرض للتشاؤم الناتج عن التصورات المغلوطة والأفكار السوداوية، باعتبارها مسؤولة عن تلك الحالة.

 

التشاؤم فلسفة للحياة

 

يقول الأديب نجيب محفوظ "لا جديد في التشاؤم، لكن الحياة في صالح الإنسان، وإلا ما زاد عدده باطراد، وما زادت سيطرته على دنياه".

 

مقولة صحيحة، فالكلمات والأفكار التشاؤمية تكاد تصل إلى نهايتها، فلا جديد في التشاؤم، بل إن حركة الحياة تأبى أن تقتنع بالتشاؤم، رغم أن البعض يتخذ منه فلسفة للحياة، فيرى كل الألوان سوداء، والظلام هو ما يملأ الحياة، والظلم والغدر هما أساس الأخلاق في البشر.

 

التشاؤم طريق للهزيمة النفسية والفكرية، ربما نجد في كلام الكاتب الأمريكي الشهير "توماس فريدمان" أن المتشائم قد يمتلك المبررات لتشاؤمه فيقول: "المتشائمون عادةً ما يكونون على حق والمتفائلون عادةً ما يكونون على خطأ، ولكن كل التغييرات العظيمة تم إنجازها من قبل المتفائلين".

 

التشاؤم نتاج أفكارنا، تقول الدراسات النفسية إنه للحفاظ على صحتنا النفسية يجب أن يكون هناك توازن بين التشاؤم والتفاؤل، فالمتشائم بتركيزه على الأفكار السلبية، يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، والقلق من المستقبل، فالتشاؤم يرتبط بأنماط إدراكية ومعرفية مختلفة.

 

تذكر الدراسات أن من الفوارق المهمة بين المتشائم والمتفائل هو أسلوب الإسناد؛ فالأسلوب يؤثر على رؤيتهما للعالم، وأسلوب الإسناد يعني كيفية تفسير الفرد للأحداث والسلوكيات حوله، فإسناد النتائج غير الناجحة إلى عوامل داخلية وخارجية مستقرة يؤدي إلى التشاؤمية، ظنًّا أن تلك العوامل خارجة عن سيطرة الشخص، وبالتالي لن يستطيع أن يتحكم فيها، وهو ما يخلق لديه رؤية تشاؤمية تقبل بالعجز وتقبل الفشل والخيبة.

 

لماذا المتشائمون كُثُر؟

 

الحياة الحديثة أكثر تعقيدًا وعقبات من ذي قبل، رغم ما يبدو من ظاهرها أنها أكثر راحة، لكن الواقع أن الكثير من الأمور التي كانت تعد من الهوامش والكماليات في الماضي انتقلت لتكون من صلب الحياة وضرورياتها، وهذا ما جعل الأعباء أكثر على الإنسان المعاصر في ظل قلة الفرص وزيادة روح المقارنة والتنافس، وهذا أثقل الروح وأجهدها.

 

تقول الدراسات إن المتشائم عندما يواجه عقبات في حياته تفرض عليه العمل والاجتهاد والمثابرة وربما الإبداع لتجاوزها، فإنه يستسلم لفكرة استحالة التغيير وصعوبة الإنجاز، ومن ثم تفتر عزيمته وتخور قواه النفسية ويغيب عنه الحافز للمحاولة، رغم أن تحقيق الهدف ليس بالصعوبة التي صنعتها أوهام وأفكار المتشائم، كما أن المتشائم تغيب عنه روح المغامرة، ليصبح أسيرًا للواقع الذي رسمه في مخيلته وليس الواقع الحقيقي، وقد يؤدي هذا الواقع المتخيل إلى الإحباط والتشاؤم.

 

التوقع لا التشاؤم

 

الحقيقة أن توقع حدوث أشياء معينة بناء على مقدمات أو أسباب قد لا يكون تشاؤمًا رغم أن التوقع قد يشي بنتيجة سيئة أو يتوقع كارثة محتملة.

 

التوقع هو إحدى السمات المميزة للإدراك، وهو أحد الأسس المهمة في الدراسات المستقبلية، وهو ضرورة للبقاء وليس ترفيهًا يمكن التغاضي عنه، والتوقع الصحيح يجب أن يرافقه الاستعداد الجيد الملائم لمواجهة ما هو قادم.

 

ومن ثم فهناك فارق بين التشاؤم من المستقبل وبين الاستعداد لمواجهة ما هو متوقع في المستقبل، وإذا استطاع الشخص التمييز في عقله بين هذين الأمرين فإن روح التشاؤم تفارقه لتحل مكانها روح متحفزة للتعامل مع المستقبل، وهذا يعبر عن رؤية استباقية للأحداث وليس تشاؤمًا.

 

ولكن هل يمكن أن نغير أفكارنا التشاؤمية؟

 

تشير دراسات إلى أن الإسناد أو الأساليب التفسيرية ليست جوانب ثابتة في الشخصية، بل هي حالات معرفية قابلة للتغيير، مع تغيير الأفكار والتصورات، وطرحت تلك الدراسات بعض النصائح في هذا الجانب منها:

 

* تغيير التوقعات: بمعنى أن يغير الإنسان حالته الذهنية والنفسية، فبدلاً من أن يتوقع الشر أو الفشل يتوقع الخير والنجاح.

 

* لا تكن قاسيًا على نفسك: ابتعاد الشخص عن اللوم المرضي لنفسه يمدد روحه بإيجابية تحفزه على اجتياز العقبات والتحديات بعزم وإصرار.

 

* قبول التعامل مع التحديات وليس الاستسلام لها: هذه الفكرة تخفف الضغط النفسي على الذات في حالة مواجهة تحد ما، وتدفع الشخص للبحث عن حلول وليس الاستسلام للتشاؤم.

 

* مكافحة الأفكار السلبية التي تؤثر على العواطف: مثل فكرة استحالة تحقيق الهدف، أو الاعتقاد بغياب الخير وتفشي الشر، هذا يدفع الشخص لتحديد الأفكار غير النافعة ليتخلص منها ويستبدل بها أفكارًا أكثر نفعًا وإنجازًا.

 

روابط ذات صلة:

لا تنجب أطفالاً.. فلسفة تشاؤمية

هل عقولنا قادرة على إلهامنا الأمل؟

هل هناك علاقة بين التدين والصحة النفسية؟

الرابط المختصر :