الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
246 - رقم الاستشارة : 3681
27/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا رجل في أواخر الخمسينيات من عمري والحمد لله أنعم الله عليّ بأسرة مستقرة وأبناء بلغوا مرحلة الشباب.
طوال حياتي كنت حريصًا على أداء الصلوات في أوقاتها، والابتعاد عن المحرمات الظاهرة، والمواظبة على الأذكار، وأسأل الله القبول.
لكني مع الأسف لا أصلي السنن، وأكتفي بأداء الفريضة فقط، وأغادر المسجد مباشرة بعد الصلاة، مع علمي بفضل النوافل وأهميتها.
أما قيام الليل، فأشعر نحوه بعجز مؤلم؛ إذ إنني أنوي كثيرا القيام، وأستيقظ بالفعل، لكني أتكاسل وأعود للنوم.
العمر يمضي سريعًا، وأتمنى أن ألقى الله وأنا أحمل رصيدًا أكبر من الطاعات، لكن هذا الكسل يقف عائقًا أمامي.
فكيف أتخلص من هذا الكسل عن أداء نوافل العبادات والسنن، وأستمر عليها؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكر لك ثقتك بنا، ومراسلتك لنا، ومشاركتنا هذا الهمِّ الإيماني الراقي. أسأل الله أن يبارك لك في عمرك، وأن يشرح صدرك، ويُعينك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلك ممن طال عمره وحسن عمله، وبعد...
إدراك قيمة «الرصيد الإضافي»
إن أولى خطوات مقاومة الكسل عن أداء النوافل، هي معرفة أهميتها وإدراك قيمتها وأجرها، ليكون ذلك دافعًا قويًّا لك للقيام بها.
إن النوافل -أخي الفاضل- هي السياج الذي يحمي الفريضة، وهي الجبر لما قد يقع فيها من نقص. يقول النبي ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ الناسُ به يومَ القيامةِ مِن أعمالِهم الصَّلاةُ، قال: يقولُ ربُّنا عزَّ وجلَّ لملائكتِه -وهو أعلَمُ-: انظُروا في صلاةِ عبدي أتَمَّها أم نقَصَها؟ فإنْ كانتْ تامَّةً كُتِبتْ له تامَّةً، وإنْ كان انتقَصَ منها شيئًا، قال: انظُروا، هل لعبدي مِن تطوُّعٍ؟ فإنْ كان له تطوُّعٌ، قال: أَتِمُّوا لعبدي فريضتَه مِن تطوُّعِه» [رواه أبو داود].
فالسنن الرواتب (12 ركعة في اليوم) هي استثمار حقيقي، وقد قال النبي ﷺ: «من صلَّى في يومٍ وليلةٍ اثنتي عشْرَةَ ركعةً تطوعًا غيرَ فريضةٍ، بنى اللهُ له بيتًا في الجنَّةِ» [رواه مسلم]. فبجهد دقائق معدودة تبني قصرًا في دار الخلد!
اكسر حاجز الانصراف السريع
تكاسلك عن أداء السنن بعد الصلاة غالبًا هو عادة سلوكية أكثر من كونه تعبًا جسديًّا. وأنصحك بالتالي لكسر هذه العادة:
- لا تقم من مقامك فور التسليم: الزم مكانك لقول الأذكار المسنونة. يقول النبي ﷺ: «إنَّ الملائكةَ تصلِّي على أحدكم ما دامَ في مصلَّاهُ: اللهم اغفِرْ لهُ اللهم ارحَمْه. ما لم يُحْدِثْ» [رواه البخاري].. فهل هناك عاقل يفر من دعاء الملائكة له؟
- التدرج: لا تُلزم نفسك بكل السنن دفعة واحدة إن شعرت بثقل. ابدأ بسنة الفجر (وهي خير من الدنيا وما فيها) وركعتين بعد المغرب. متى ما ذقت حلاوتها، فستجد نفسك مشتاقًا للبقية.
قيام الليل.. من العجز إلى التلذذ
قيام الليل هو شرف المؤمن، وفي الثلث الأخير من الليل ينزل ربنا -عز وجل- إلى السماء الدنيا نزولًا يليق بجلاله، فيقول كما ورد في الحديث الصحيح: «هل من سائلٍ فأُعطيَه؟ هل من داعي فأستجيبَ له؟ هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ هل من مستغفِرٍ فأغفرَ له؟ حتى يَطْلُعَ الفجرَ». وللتغلب على الكسل ونوال هذا الشرف العظيم أنصحك بالآتي:
1- الاستعانة بالدعاء: اطلب من الله بصدق أن يقيمك بين يديه.
2- جاهد عُقَد الشيطان: عندما تستيقظ وتتكاسل، تذكر حديث النبي ﷺ: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد... فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» [متفق عليه].
3- ابدأ قبل النوم: إذا كنت تخشى الفوات، فصلِّ ركعتين خفيفتين ثم الوتر مباشرة بعد سنة العشاء قبل أن تنام، ونم على طهارة، فإن استيقظت فلا تنظر إلى الهاتف ولا تفكر في دفء الفراش. انفض غطاءك وقم فورًا من فراشك. قال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16].
نصائح عامة لاستدامة العمل وترك الكسل
1- تذكر قرب الأجل: أنت الآن في أواخر الخمسينيات، وهذه سنّ الحصاد. تذكر قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: 37]. فاعمل كي تنال حسن الخاتمة.
2- الصحبة الصالحة: يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].
3- ترك الذنوب بالنهار: يقول أحد السلف: «إذا لم تقدر على قيام الليل، فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك». راجع خفايا يومك، فربما كلمة أو نظرة هي التي تمنعك من لذة القيام بين يدي الله.
وختامًا أخي الكريم، إن الله لا يمل حتى تملوا، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع. فلا تنظر إلى ما فاتك بحسرة تعيقك؛ بل انظر إلى ما بقي من عمرك بأمل يدفعك. ابدأ من الآن، واجعل شعارك: «وعجلت إليك رب لترضى».
أسأل الله أن يوفقك لكل خير، وأن يملأ قلبك بنور الإيمان، ويجعلك من أهل الفردوس الأعلى.
روابط ذات صلة: