الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 5024
13/06/2026
هل يجوز لابنتي السفر بمفردها للدراسة في الخارج إذا كان المكان آمناً والرفقة مأمونة، أم أن المحرم شرط أساسي لسفر المرأة مهما كانت الظروف؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا بك أخي الكريم، وإن الشريعة
الإسلامية الغراء جاءت لحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والعرض،
والمال. وقد أولت الشريعة عناية فائقة بكرامة المرأة وحمايتها، وشرعت من الأحكام
ما يضمن سلامتها وصيانة عرضها في حلّها وترحالها. ومع التطور المتسارع في وسائل
المواصلات الحديثة، وبروز نظم وسياسات تعليمية تلجأ إليها الطالبات لتحصيل العلم
النافع، أصبحت مسألة سفر المرأة بدون محرم للدراسة من النوازل الفقهية المعاصرة
التي تستدعي نظرًا فقهيًّا موازنًا بين نصوص التشريع ومقاصده، وبين المصالح
المعتبرة والمفاسد المتوقعة.
اختصارًا: سفر
المرأة بمفردها للدراسة في الخارج جائز شرعًا بشرط تحقق الأمن التام في الطريق،
وتوفر الرفقة المأمونة، وأمن الإقامة في بلد الدراسة، وهو ما يطلق عليه في الشريعة
أمن الفتنة. والمحرم في الأصل شُرع لعلة الحفظ والرعاية لا للتعبد المحض؛ فإذا
انتفت العلة بوجود الأمن والرفقة والصيانة، دار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا. ومع
ذلك، يخضع هذا الجواز لتقييم دقيق للمصالح والمفاسد، ولا سيما عند اختلاف
الثقافات، ويظل مشروطًا بموافقة الولي ورضاه، والتزام الفتاة بالضوابط الشرعية، والعرف في هذه المسالة حاكم، ويجب النظر إلى التجارب
السابقة، أيها آل إلى مصلحة ومنفعة، وأيها قاد إلى الهلاك والفساد، والأولى أن
تسافر الفتاة إن كان ولا بد مع زوج يحفظها أو أب يرعاها.
آراء
العلماء:
أولاً:
آراء الفقهاء المتقدمين
انقسم
الفقهاء قديمًا في اشتراط المحرم لسفر المرأة في الأسفار الواجبة كحج الفريضة
والأسفار المباحة أو المستحبة كطلب العلم والتجارة على قولين رئيسيين:
القول
الأول الاشتراط مطلقًا: ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المحرم شرط
أساسي لكل سفر تبلغ مسافته مسافة القصر، سواء كان السفر واجبًا أو مباحًا، وذلك
لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: [لا
تُسَافِرِ المَرْأَةُ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ]
جاء
في "بدائع الصنائع" للكاساني: "وأما
الاستطاعة التي هي شرط وجوب الحج... فمنها المحرم للمرأة... فلا يجب عليها الحج
بدونه».
وجاء
في "المغني" لابن قدامة 3/236:
"المحرم شرط لوجوب الحج على المرأة في قول أبي حنيفة وإسحاق وابن المنذر، وهو
الصحيح عن أحمد".
القول
الثاني جواز السفر مع الرفقة المأمونة أو أمن الطريق: ذهب المالكية والشافعية، وهو رواية
عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، إلى جواز سفر المرأة
بدون محرم في سفر الفريضة إذا وجدت رفقة مأمونة، وتوسع بعضهم في سفر التطوع
والتجارة وطلب العلم إذا أُمن الطريق، وذلك لما رواه البخاري في صحيحه عن عدي بن
حاتم رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: [فإنْ طَالَتْ بكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ
الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حتَّى تَطُوفَ بالكَعْبَةِ لا تَخَافُ
أحَدًا إلَّا اللَّهَ] والظعينة هي المرأة في هودجها.
جاء
في "المنهاج شرح صحيح مسلم" للإمام
النووي الشافعي 9/104: «حَكَى
الْقَاضِي عَنْ جَمَاعَةٍ جَوَازَهُ (أي السفر) لِلْمَرْأَةِ وَحْدَهَا إِذَا
كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ وَالْعُمْرَةِ...
وَأَمَّا سَفَرُ التَّطَوُّعِ وَالتِّجَارَةِ وَالزِّيَارَةِ وَنَحْوِهَا
فَقَالُوا: لا يَجُوزُ إِلا بِمَحْرَمٍ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ
بِرَفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ كَالْفَرْضِ.
وجاء
في "الفروع" لشمس الدين ابن مفلح الحنبلي 5/355 عند
نقله لاختيار شيخ الإسلام: «وتحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، قال شيخنا ابن
تيمية: وهذا متوجه في كل سفر طاعة... ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حج التطوع،
وقاله بعض أصحابه فيه وفي كل سفر غير واجب كزيارة وتجارة».
ثانيًا:
آراء الهيئات والعلماء المعاصرين
اتجهت
الفتوى في العصر الحديث لدى العديد من دور الإفتاء إلى التيسير بناءً على تغير
وسائل السفر وأنظمته من المطارات، والطائرات، ووثائق السفر الرسمية، والحراسة،
والسكن الجامعي والقوانين المنظمة لسلوك الأفراد.
دار
الإفتاء المصرية: استقرت
الفتوى فيها على جواز سفر المرأة بدون محرم ما دام الأمن متحققًا في ترحالها
وإقامتها، مستندة إلى فقه المالكية والشافعية واختيار ابن تيمية.
المجلس
الأوروبي للإفتاء والبحوث: أجاز
للمرأة السفر للدراسة أو العمل إذا كان الطريق آمنًا والرفقة مأمونة، واعتبر أن
وسائل السفر الحديثة وفرت من مظاهر الأمن ما لم يكن متاحًا في العصور السابقة.
دائرة
الإفتاء العام الأردنية: أشارت
في فتاواها إلى أن سفر الفتاة للدراسة بمفردها جائز عند أمن الفتنة والاضطرار
وتحقق الرفقة الصالحة، مع التأكيد على ضرورة متابعة الولي لها بانتظام.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
تخضع
هذه النازلة لعدد من القواعد الفقهية الكبرى والفرعية التي تضبط حركة المجتهد
والمفتي:
1. قاعدة: "المشقة تجلب التيسير": فالطلب
الحثيث للعلم والدرجات الأكاديمية العالية التي قد لا تتوفر في بلد الفتاة، مع
تعذر مرافقة المحرم لها طوال سنوات الدراسة بسبب التزاماته وعمله، يوقع في الحرج
والمشقة، والشريعة مبنية على رفع الحرج قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
2. قاعدة: "الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا": العلة
المنصوص عليها والمستنبطة من نهي المرأة عن السفر بلا محرم هي خوف الفتنة
والاعتداء عليها والضياع في الصحاري والأسفار القديمة. فإذا انتفت هذه العلة
بوسائل النقل الآمنة والجامعات التي توفر سكنًا آمنًا، زال المنع.
3. قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد": المحرم
وسيلة لحفظ المرأة وصيانتها، وليس مقصودًا لذاته تعبدًا. فإذا تحقق المقصد وهو
الحفظ والأمن بغير الوسيلة المذكورة كالرفقة أو النظم القانونية الصارمة والأمن
العام، جاز الاعتماد عليها.
4. قاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح": هذه
القاعدة تعمل ككابح وضابط؛ فإذا كان سفر الفتاة للدراسة فيه مصلحة تعليمية، ولكن
يترتب عليه مفسدة دينية أو أخلاقية محققة أو راجحة في بلد الاغتراب، فإن منع السفر
يصبح واجبًا تقديمًا لدرء المفسدة.
مفهوم
الرفقة المأمونة والمكان الآمن من الناحية الشرعية:
لقد
اشترط الفقهاء الذين أجازوا السفر قيودًا صارمة لتعريف هذه المصطلحات، ولا يجوز
التساهل فيها:
معنى
الرفقة المأمونة شرعًا: هي
الجماعة الصالحة التي يغلب على ظن الولي والفتاة التزامهم بالدين والأخلاق
والمروءة، والذين تتناصَر بهم المجموعة ويحمِي بعضهم بعضًا. وفي العصر الحديث،
ويشمل هذا المفهوم:
· الرحلات الجماعية المنظمة من قبل جهات تعليمية
أو بعثات رسمية تخضع للإشراف المباشر.
· صُحبة الطالبات الصالحات المشهود لهن بالاستقامة
واللواتي يسكنّ في نفس المقر أو يدرسن في نفس التخصص.
· وجود جهة مسؤولة كالملحقية الثقافية أو إدارة
رعاية الوافدين بالجامعة تتولى الإشراف والمتابعة المستمرة للطالبة.
معنى
المكان الآمن شرعًا: هو
البيئة التي تقيم فيها الفتاة وتتوفر فيها الشروط التالية:
· أمن النفس والعِرض: أن يكون البلد أو الحي
والجامعة خالية من الاضطرابات الأمنية، والجرائم المنظمة، أو مظاهر التحرش
والاضطهاد العرقي أو الديني أو الإسلاموفوبيا المهددة للمرأة.
· أمن الدين: أن يُسمح للفتاة بإقامة شعائر دينها
بحرية، كارتداء حجابها، وأداء صلواتها، وتوفر الطعام الحلال، دون تضييق أو إجبار
على مظاهر تخالف عقيدتها.
· أمن السكن: أن تقيم الطالبة في سكن جامعي مخصص
للإناث يخضع لحراسة وإشراف دقيق، أو مع عائلة موثوقة ومأمونة، ويمنع فيه تمامًا
الاختلاط والخلوة، أو دخول الأجانب عليها.
مخاطر
سفر الفتيات إلى البلدان مختلفة الثقافة ونمط العيش:
رغم
الجواز الفقهي المشروط، فإن الواقع يفرض على الأولياء والفتيات إدراك المخاطر التي
تكتنف بيئات الاغتراب ذات الثقافات المغايرة للمجتمعات المسلمة، وتتمثل هذه
المخاطر في:
· الاضطراب القيمي والهوية المعرفية: قد تواجه الفتاة في سن مبكرة صدمة ثقافية ناتجة عن رؤية نمط حياة
متحرر بالكامل من الضوابط الشرعية والأخلاقية مثل الإباحية، الشذوذ، والعلاقات
المفتوحة. هذا الانغماس قد يؤدي مع الوقت إلى "تطبيع" هذه المظاهر في
النفس، أو ضعف الغيرة الدينية، أو الدخول في شبهات فكرية تمس ثوابت العقيدة.
· العزلة والضغط النفسي: غياب الأسرة والمحيط الداعم يُشعر الفتاة بالوحدة الوجدانية، مما
يجعلها عرضة للابتزاز العاطفي أو الاستقطاب من قبل جماعات ومنظمات مشبوهة تستغل
حاجة المغتربين للامتداد الاجتماعي والتعاطف.
· غياب الرقابة الذاتية والوقوع في الفتن: إن الانتقال المفاجئ من بيئة محافظة ومراقبة أسريًّا إلى بيئة
ذات حرية مطلقة وفردية تامة قد يشكل اختبارًا قاسيًا لوازع الفتاة الديني. فإذا لم
تكن على قدر عالٍ من النضج الإيماني والتربوي، فقد تزل قدمها في مسالك التحلل أو
رفقاء السوء.
· المخاطر القانونية والاجتماعية: بعض الدول تملك قوانين وأنظمة اجتماعية تتدخل في الخصوصيات
الفردية، أو قد تُفسر بعض التصرفات العفوية بناءً على أعرافهم بشكل خاطئ، مما قد
يوقع الفتاة في إشكالات قانونية دون وجود سند أو محرم يدافع عنها ويفهم طبيعة تلك
البلاد.
إذن
الفتوى بجواز سفر ابنتكم مشروطة بأن تكون الفتاة ناضجة، متمسكة بدينها، قادرة على
إدارة شؤونها، وأن يطمئن قلبكم تماماً إلى سلامة السكن والرفقة والجامعة التي
ستلتحق بها. فإن ترجّح لديكم وجود خطر على دينها أو عرضها، فإن المنع هو الواجب
شرعًا؛ فالحفاظ على الدين والعرض مقدم على التحصيل العلمي. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: