الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
639 - رقم الاستشارة : 2386
16/08/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا فتاة 23 سنة، الابنة الوحيدة لوالديّ، مخطوبة منذ 10 أشهر لشاب دخله غير ثابت. منذ بداية الخطبة وهو يطلب مني مساعدات مالية متكررة: تحويلات بنكية، شراء هاتف وتقسيطه باسمي، دفع عربون أجهزة منزلية، بيع جزء من شبكتي، وأحيانًا مصاريف يومية وبنزين سيارته. كما يلمّح لأخذ قرض باسمي، ويرفض إشراك أهلي أو كتابة أي اتفاق.
حاولت وضع حدود لكنه يعود للضغط العاطفي والتهديد بانتهاء الخطبة. أصبحت أشعر بالاستنزاف المادي والنفسي، وخائفة أن يستمر هذا السلوك بعد الزواج.
سؤالي: هل أستمر معه مع وضع شروط واضحة وردّ المستحقات، أم أنهي الخطبة حمايةً لمستقبلي، رغم أنني وحيدة والديّ وأخشى حزنهم ونظرة المجتمع؟
ابنتي الحبيبة، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أولًا، أحييكِ على وعيك وإدراكك لخطورة ما تمرين به، وهو ما يُسمّي بـ Self-awareness أي الوعي الذاتي الذي يسبق أي قرار رشيد.
ومن خلال ما ذكرتِه، يتضح أنّ خطيبك يمارس تجاهك نمطًا من الاستغلال العاطفي والمالي، مصحوبًا بـ ضغط نفسي عاطفي، وهو أسلوب يُستخدم لإثارة شعورك بالذنب أو الخوف من الفقد؛ حتى توافقي على ما لا تريدينه.
كما أن رفضه إشراك أسرتك أو وضع اتفاق مكتوب هو مؤشر على ضعف الشفافية، وغياب الحدود الآمنة في العلاقة، وهي من أخطر مؤشرات العلاقات غير الصحية.
وشرعنا الحنيف -يا ابنتي- قد وضع أسس المعاملة بالمعروف في كل علاقة، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، والمعروف هنا يشمل الصدق، والأمانة، والعدل، وعدم استغلال الآخر. والرسول ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار".
فإن كان الحال الآن –قبل الزواج– يتسم بالضغط والاستنزاف؛ فالأغلب أن ذلك سيتضاعف بعد الزواج، خاصة أن العقد لم يوثق بعد، مما يجعل لك الحق الشرعي والأخلاقي في إعادة النظر والانسحاب.
كما أن علم النفس الأسري يقرر أن أنماط السلوك المستمرة قبل الزواج غالبًا ما تتكرر بعده، بل قد تتصاعد؛ لأن ضغوط الحياة ومسؤولياتها تفتح المجال لزيادة الخلافات وليس لانحسارها.
كذلك، كونك الابنة الوحيدة لا يعني أن تكوني المُعيل المالي لخطيبك، فالزواج شراكة ومسؤولية متبادلة، لا استغلال طرف لآخر.
وأنا أخشي عليك من سوء الأثر النفسي المحتمل إن استمر الوضع، حيث يطغى وقتها الـChronic Stress أو (الإجهاد المزمن) الذي يؤدي إلى تآكل الصحة النفسية، والعياذ بالله.
ومن أخطار الاستمرار في هذه العلاقة أيضًا ملازمتك لما يعرف بالقلق المالي (Financial Anxiety)، والذي قد يلازمك طيلة حياتك الزوجية، لا قدر الله.
والأخطر هو Erosion of Trust أو (تآكل الثقة) بينكما مما يضعف العلاقة الأسرية مستقبلاً.
ثانيًا: وهنا يا ابنتي، أمامك خياران بعد استخارة الله عز وجل:
1- إما الاستمرار بشروط مُلزمة مكتوبة وواضحة، تشمل: ردّ جميع الحقوق (الذهب، المبالغ المالية)، توزيع الالتزامات بالتساوي، شفافية مالية تامة، إشراك الأهل كضمان، والتزامه الخطّي بذلك.
2- أو إنهاء الخطبة بهدوء وحكمة إذا رفض هذه الشروط، حمايةً لنفسك ولمستقبلك؛ فالانسحاب المبكر من علاقة غير آمنة أقل كلفة نفسيًّا واجتماعيًّا من البقاء فيها على أمل التغيير غير المضمون.. وهو الخيار الذي أراه الأنسب لك من واقع خبرتي العملية للمقبلين على الزواج، وتذكّري قوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
ورغم صعوبة القرار الثانى على نفسك المتعلقة بهذا الشخص، فإنه قد يكون القرار الصعب الآن هو ما ينقذك من حياة مليئة بالضغوط والديون فيما بعد.
* همسة أخيرة لابنتي الحائرة:
اجلسي مع نفسك جلسة Self-reflection تأمل ذاتي لتحديد أولوياتك، واكتبي ما تريدينه من شريك الحياة، وما لا تقبلينه أبدًا.
واحرصي على اتخاذ قرارك دون خوف من نظرة المجتمع؛ فالمجتمع ينسى سريعًا، لكن حياتك أنتِ التي ستعيشينها كاملة.
واطلبي دعم والديك؛ فهما سندك الحقيقي، ولا تدعي فكرة حزنهم تمنعك من حماية نفسك.
وثقي حبيبتي، أن قيمتك وعزة نفسك وتربيتك، ستجعلك يومًا ما في مكانة تستحقينها في حياة زوج كريم يقدرك لذاتك إن شاء الله تعالى.. وسوف تتذكرين كلامي وقتها.
أسأل الله أن يكتب لك الخير حيث كان، وأن يرزقك شريك حياة يخاف الله فيك، ويعاملك بالمعروف.