الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : العائلة الكبيرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
131 - رقم الاستشارة : 3500
06/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أستاذتي الغالية… أكتب لك وأنا أحاول أن أثبّت قلبي، لأن هذا الموضوع أصبح يؤثر عليّ من الداخل بشكل لا أستطيع تجاهله. زوجي يعطي أخته المتزوجة 100 دولار شهريًا منذ أربع سنوات، مع أنّ وضعها المادي جيد وزوجها يعمل. بينما نحن أحيانًا نضغط على أنفسنا في مصاريف البيت والأولاد، وأحاول قدر استطاعتي أن أرتّب كل شيء بما يتيسر.
حين فاتحته بالموضوع، لم أكن أطلب قطع رحم ولا منع خير… كنت فقط أريد أن يشعر بأننا أولى، وأنّ صلة الرحم ليست دائمًا مالًا يُقتطع من احتياجاتنا. لكن ردّه كان قاسيًا عليّ، وكأنه لم يسمع قلقي ولا إحساسي، وطلب مني ألا أعود للحديث فيه.
تركني ذلك مجروحة من الداخل… ليس بسبب المال نفسه، بل لأنني شعرت أنّ مشاعري لم تُحترم. أنا أحبه، وأقدّر طيبته، وأتفهم رغبته في صلة رحمه… لكنني حقًا متعبة من الشعور بأن بيتي وأولادي يأتيان في آخر القائمة.
لا أعرف كيف أعيد فتح الموضوع دون أن أُفهم خطأ، ودون أن يبدو الأمر غيرة أو اعتراضًا على أهله. أحتاج كلمة تساعدني أن أوازن بين دوري كزوجة تحافظ على بيتها… وبين حرصي على أن يبقى قلب زوجي رحيمًا دون أن يُرهقنا التزام ليس واجبًا.
أرجو منكم توجيهًا يطمئن قلبي ويهديني للتصرف الصحيح. جزاكم الله عني خير الجزاء.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.
في البداية اسمحي لي أن أحييك على حبك لصلة الرحم واحترامك لعائلة زوجك ورغبتك في فعل الخير، وأن أحييك على مهارتك في التدبير والتوفير، وأيضًا أحييك بشدة على رغبتك في حل المشكلة بطريقة لطيفة متوازنة، فجزاك الله خيرًا وزادك حكمة في إدارة كل مناحي حياتك.
هوية أخلاقية
زوجك -يا أختي الكريمة- رجل يستحق التقدير هو الآخر لشدة التزامه بصلة رحمه وكرمه، وثقي أن الله سبحانه وتعالى سيرزقه مقابل هذه السلوك وهذا العطاء (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه).
زوجك يعتبر هذه الصلة جزءًا أصيلاً من هويته وبالتالي يكون حادًّا لدرجة القسوة عندما تهاجم هذه الهوية؛ لذلك طلب منك ألا تفتحي هذا الموضوع مرة أخرى لأن فتحه يجرحه.. يفقده الصورة الذهنية لشخصيته التي اختارها.. يربك عالمه كله الذي تحتل فيها صلة الرحم ركيزة أساسية.
أعلم أنك غير معترضة نهائيًّا على صلته لرحمه وأخته، لكنك ترين أن الصلة ليست بالمال فقط، خاصة أن زوج أخته يعمل وترين أنهم ليسوا بحاجة للدعم المالي بينما أسرتك وأولادك لديهم احتياجات غير ملباة.. لكن زوجك لديه ارتباط قوي بين الصلة والعطاء المادي، قد يكون ذلك بسبب التربية التي تلقاها والتي تربط الود وصلة الرحم بالهدايا والعطاء والمساعدات المادية، وقد يكون ذلك لأنه يعرف عن أخته وأسرتها ما لا تعرفين أنت وما لن يخبرك به، فأنت ترين الصورة من الخارج أختًا متزوجة وزوجها يعمل ويحصل على دخل جيد ولا تحتاج المال، أما حقيقة ما يحدث في بيتها فهو أمر لن تعرفيه، ورجل لديه الهوية الأخلاقية كزوجك لن يكشف ستر أخته وعائلتها حتى لو كان المقابل مشادة وشجارًا معك.
حتى لو افترضنا أن عائلة أخته لا تعاني خطبًا وهو يريد أن يصلها بالمال فهذا أمر يخصه وليس من اللائق أن تتحدثي معه فيه.
ستقولين لي: ألسنا شركاء في هذه الحياة الزوجية؟ ألا ينبغي أن تكون هناك شفافية في الأمور المالية؟ ألا ينبغي أن نضع معًا أولويات الإنفاق، خاصة أن هناك حاجات لأولادي غير مشبعة؟
أولويات الإنفاق
أختي الغالية، سأجيبك عن أسئلتك بمنتهى الصراحة: العلاقة الزوجية لا تعني أن يحرم أحد طرفيها من التصرف في ماله، فإذا كنا نكتب كثيرًا عن الذمة المالية الخاصة للزوجة وحريتها في إنفاق مالها بالطريقة التي تناسبها فليس من المعقول أن نحجر على الزوج في طريقته الخاصة في إنفاق ماله، كل ما نقوله أن عليه واجبات ونفقات لازمة تجاة الزوجة والأبناء عليه أن يشبعها وما بعد ذلك فله مطلق الحرية في إنفاقه، فإذا شارك الزوجة مخططاته المالية فهذا زوج ذكي يبني جسورًا للود والصداقة، وإذا قرر وحده فهذه مساحته الخاصة وينبغي ألا نقتحمها عنوة.
الإشكالية أن هناك حاجات لأسرتك وأطفالك غير مشبعة، وهنا يجب أن نتحدث عن الجزء الذي يخصنا ونطالب به دون ربط هذه الاحتياجات بما ينفقه على أخته حتى نضع المشكلة في حجمها الطبيعي.. وحتى لا نثير شبهة الغيرة أو أننا نتعسف في الطلبات حتى نعجزه ونمنعه من صلة أخته ومنحها ما اعتاد عليه.
أختي الكريمة، انتظري بعض الوقت حتى يهدأ حوارك السابق معه وانتقي وقتًا ملائمًا بعد تناول الغداء والاسترخاء أو في يوم عطلة في بداية الشهر بعد أن يحصل زوجك على راتبه واطلبي منه أن يساعدك في وضع الميزانية (دون أي إشارة لما يعطيه لأخته أو ضعف الدخل مقابل الالتزامات والاحتياجات).. ورقة وقلم ولهجة هادئة للغاية ودعيه يكتشف بنفسه الفجوة بين الدخل والمصروفات، ودعيه يبحث عن حل دون أي إشارة لتقليل ما يمنحه لأخته...
ضعيه أمام الحقيقة وانتظري قراراته التي يأخذها من عقله، فقد يقلل ما يعطيه لأخته، وقد يحاول البحث عن عمل إضافي، وقد يعمل على إصلاح بنود الميزانية فيتطوع مثلا لتدريس الأولاد بدلاً من بند الدروس الخصوصية أو يقوم بكي ملابسه بدلا من ذهابها لعامل الكي، وهكذا هو مضطر لتقديم حلول عملية، بالإضافة لأن هذه طريقة تجعله يدرك كم تبذلين من جهد بل وسيمنحه مبررًا قويًّا للحديث الذي سبق وتحدثت إليه فيه؛ لأنه سيدرك أن الدافع لم يكن الغيرة ولا هز قيمه الأخلاقية وإنما ما دفعك هو هذه الاحتياجات غير الملباة للأطفال.
الوسوسة الشيطانية
أختي الكريمة، الشيطان يوسوس لك بأفكار بالغة الخطورة، فهو يريد أن تخرج مشكلتك مع زوجك من كونها مشادة بسبب الميزانية المحدودة والاحتياجات الناقصة، وهي مشكلة شائعة للغاية بين الزوجين، لمشكلة من نوع آخر فهو لا يحترم مشاعرك.. يجرحك.. أنت وأولادك في ذيل قائمة اهتمامه.
هذه الوسوسة الشيطانية والإلحاح عليها إذا استمرت دون مقاومة منك ستصنع شرخًا كبيرًا في علاقتك بزوجك؛ لأنها تهدد البنية العميقة للزواج، لأنها تهدد المشاعر وتفقدك شعورك بالتقدير والقيمة، فاحذري مخطط الشيطان، وتذكري هذا الحديث جيدًا (إنَّ إبليسَ يضعُ عرشَه على الماءِ، ثم يبعثُ سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمَهم فتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقولُ: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ ما صنعتَ شيئًا، ويجيءُ أحدُهم فيقولُ: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينَه وبين أهلِه، فيُدْنِيه منه، ويقولُ: نعم أنتَ!).
وهذه الوساوس التي تدور في عقلك تمهد الطريق لفرقة نفسية وعاطفية؛ لذلك لا أريدك أن تحملي الموقف أكثر مما حدث بالفعل وتتعاملي مع زوجك وكأن هذا الحديث لم يحدث وستجدين أنه يعود معك لسابق عهده من اللطف...
اقرئي سورة البقرة فهي بركة في بيتك وتحميك من الشياطين، وأكثري من الدعاء أن يبسط الله لكما الرزق وأن يكفيكم بالحلال.. اسأليه من فضله الواسع فهو الرزاق الكريم، وأحسني الظن بالله فسوف يرزقكم الخير كله ولا تغضبي من زوجك فمثله بين الرجال قليل.. أسعد الله قلبك وأصلح بينك وبين زوجك، وفي انتظار رسالتك التالية.
روابط ذات صلة:
كيفية ضبط الأمور المالية بين الزوجين
حلول عملية لإدارة المصروفات والتحكم في الميزانية