الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
119 - رقم الاستشارة : 3592
17/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا ست متجوزة وربنا أكرمني بالحمل الأول بعد تعب وفترة انتظار طويلة ومعاناة مع الدكاترة.
طول شهور الحمل، لساني مكنش بيبطل دعا.. كنت باتحرى أوقات الاستجابة، وبقوم الليل، وبطلع صدقات بنية إن ربنا يكملي على خير وتقر عيني بشوفة ضنايا سليم معافى. قلبي اتعلق بالجنين ده لدرجة متتوصفش، ورسمت له حياته كلها في خيالي، وكان عندي يقين وعشم كبير في ربنا إنه مش هيكسر بخاطري.
لكن مع الأسف الحمل نزل.
مشكلتي الحقيقية مش بس في وجع الفقد، المشكلة في اللي حصل لقلبي بعده. أنا اتصدمت.. حسيت بكسرة في قلبي، وإن حبل الثقة بالله واليقين اتهز جوايا.
دلوقتي أنا بصلي الفروض تأدية واجب، حركات بس من غير روح ولا خشوع. والأصعب من كده إني بقيت أخاف أدعي، أو بمعنى أصح بطلت أدعي.. كل ما أرفع إيدي قلبي يتقبض ويجيلي هاجس يقول لي: (ما انتي دعيتي بأغلى وأعز ما تملكي وربنا مشاءش، هتدعي ليه دلوقتي؟).
أنا مرعوبة من حالتي دي، وخايفة أخسر ديني، أو يكون حزني ده اعتراض وسخط على قضاء الله.
هل مشاعري دي سوء أدب مع الله؟ وإزاي أرمم علاقتي بربنا؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مرحبًا بك ابنتي الفاضلة، وشكرًا جزيلًا لك على ثقتك بنا ومراسلتك لنا. أسأل المولى -عز وجل- أن يُثبت قلبك ويجبر كسرك، وأن يجعل ما أصابك كفارة ورفعة درجات، وأن يُعوضك خيرًا عاجلًا غير آجل بذرية صالحة تقر بها عينك، وبعد...
هل ما تشعرين به سوء أدب مع الله؟
لا شك يا ابنتي في أن ما مررتِ به من تجربة الفقد بعد طول انتظار هو بلاء عظيم، ووقع الصدمة يكون قاسيًا على النفس المؤمنة التي بذلت وسعها في الدعاء والأخذ بالأسباب. وما يعتريك الآن من مشاعر الخوف، واهتزاز اليقين، وفتور العبادة، والامتناع عن الدعاء، هي استجابة متوقعة للآلام الكبيرة التي نزلت بقلبك.
ولكن –أيضًا- لا شك في أن الإيمان بالله يقتضي التسليم المطلق لقضائه وقدره، مع مراعاة ديننا الحنيف لفطرة الإنسان وطبيعته.
إن مجرد الحزن ليس اعتراضًا ولا سوء أدب، فهو إحساس فطري مقبول، بل ويأجر الله عليه العبد إن لم يصحبه تسخط باللسان أو فعل بالجوارح. والنبي ﷺ وهو أشد الناس توحيدًا وتسليمًا، بكى عند فقد ولده إبراهيم، وقال قولته الشهيرة: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» [متفق عليه]. هذه الكلمات الطيبات من أطهر الناس تبين الفرق بين الحزن الفطري (دمع العين وحزن القلب) وهو جائز ومأجور، والاعتراض والتسخط (الذي نهى عنه ﷺ بقوله: «ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا»).
ثم إن خوفك من أن يكون حزنك اعتراضًا على الله –تعالى- هو في حد ذاته دليل على سلامة قلبك وعمق إيمانك ورغبتك في مرضاة الله. إن الاعتراض والسخط الحقيقيين يظهران في صورة: الجزع الشديد، أو ضرب الخدود وشق الجيوب، أو سوء الظن بالله، أو ترك الفرائض جملةً، أعاذك الله وإيانا من ذلك.
إن الإشكال ليس في لحظة الاهتزاز، بل في الاستسلام لهذا الاهتزاز. الشعور بأن «حبل الثقة اهتز» هو صراع بين البشرية التي تريد تحقيق أمنياتها، وبين العبودية التي تقتضي الرضا بما يختاره الله.
الخير في المنع أحيانًا
يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. فقد يكون الخير في منعك ما دعوتِ به، وهذا هو اليقين الحقيقي: الثقة في اختيار الله لا في مجرد تحقيق الرغبة.
تذكَّري أم موسى -عليه السلام- عندما أُلهمت أن تلقي بطفلها في اليم، كان اختبارًا يفوق الوصف، لكن الله لم يتركها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْك وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]. المنع في البداية كان سببًا للتعويض الأكبر: أن يعود إليها نبيًّا، وهذا يعلمنا أن التعويض قد يأتي على شكل أجلّ وأعظم مما فقدناه.
وتذكَّري ما ورد في سورة الكهف، من قصة الغلام الذي قتله الرجل الصالح بإلهام من الله -سبحانه- واستنكار موسى –عليه السلام- الشديد لظاهر هذا الفعل، ثم تبينت حكمة الله -عز وجل- في رحمته بأبوَي هذا الغلام بمنع إرهاق الغلام لهما، وإبدالهما به خيرًا منه وأزكى: ﴿وأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80 و81].
كيف ترممين علاقتك بالله تعالى؟
إن هدفك الآن يا ابنتي هو ترميم علاقتك بربك جل وعلا، في العلاقة الأغلى والأبقى، وهذا يتطلب منك وقتًا وجهدًا، وإليك بعض النصائح في هذا السبيل:
1- الصلاةَ الصلاةَ:
عودي إلى صلاتك، وجاهدي نفسك لأداء الفروض على الأقل، ثم النوافل بالتدريج، بالتدريج.
إن الشيطان يتربص بك في هذه المرحلة ليُشعرك بأن عباداتك مرفوضة أو لا قيمة لها. فاكسري حاجز الإحساس بالذنب هذا، وعودي إلى الصلاة مستحضرة عظمة ربك ولطفه ورحمته وعفوه.
إن الصلاة ليست معاملة مادية، وليست صفقة تجارية؛ بل هي صلة، ولقاء بين العبد وربه، وتركها أو التقصير فيها هو الخسران المبين.
2. العودة للدعاء:
إن هاجس «ما انتي دعيتي بأغلى ما تملكي وربنا مشاءش، هتدعي ليه دلوقتي؟» هو وسوسة شيطانية تُلبس اليأس ثوب الواقعية، ولا بد من تجاوز ذلك.
لقد علَّمنا النبي ﷺ أن الدعاء لا يُردُّ أبدًا، ولكنه يتخذ أحد ثلاثة أشكال، كما ورد في الحديث: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» [رواه أحمد].
فأنتِ –بإذن الله- لم يُرفض دعاؤك؛ بل تم حفظه لك! إما أن الله صرف عنك سوءًا أكبر لم تدركيه بهذا المنع، وإما ادخر لك ثواب هذا الدعاء كله ليكون ثقيلًا في ميزان حسناتك يوم القيامة (وهذا أعظم)، وإما سيستجيب لك في الوقت الأنسب.
حاولي يا ابنتي تغيير مضمون الدعاء؛ لا تركزي فقط على «ماذا أريد؟»، بل ابدئي بالتركيز على «ماذا يريد الله لي؟». ادعي بـالدعاء المطلق؛ مثل: «اللهم اختر لي ما فيه الخير»، «اللهم اجبر قلبي جبرًا يتعجب منه أهل السموات والأرض»، «اللهم املأ قلبي رضا بقضائك».
إن الدعاء يا ابنتي عبادة في ذاته، بل هو العبادة ذاتها، كما قال ﷺ؛ لأنك بإظهار ضعفك واحتياجك تحققين كمال العبودية، حتى لو لم يُستجب.
3- إعادة بناء اليقين
وهذه المرحلة هي جوهر ترميم علاقتك بالله وإصلاحها.
عليك يا ابنتي أن توقني بأن الله -عز وجل- يبتلي المؤمنين؛ لا لإهلاكهم؛ بل لتمحيصهم وتكفير سيئاتهم ورفع درجاتهم. وأن تعلمي أن الجزع يفوِّت الأجر، والرضا يضمنه. فاصبري صبرًا جميلًا، مستحضرة قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
اقرئي وتفكري في قصص الأنبياء والصالحين الذين ابتُلوا بأشد أنواع الفقد، وتذكري كيف أن العوض جاءهم في الوقت المناسب وبأجمل شكل، كحال نبي الله يعقوب -عليه السلام- الذي قال عندما فقد ابنه يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]. لم ييأس من رحمة الله، حتى اجتمع بيوسف وأخيه.
وختامًا يا ابنتي، إن الله -سبحانه وتعالى- ينظر إلى قلبك وإلى مجاهدتك لتُصلِّي وتدعي وتُسلِّمي وتفوضي أمرك إليه، وهو يُحبك ويُحب سماع دعائك. وأبشري بقول نبينا الكريم: «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤمِنِ وَالمُؤمِنَةِ فِي نَفسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» [رواه الترمذي].
وفقك الله ورعاك، وربط على قلبك، وهداك إلى الرُّشد والصواب.
روابط ذات صلة: